فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 132

الذي ليس بعده شيء، فهو القديم الأزلي الدائم الباقي بلا زوال، فهل يمكن ان يكون لم يزل متكلما بمشيئته؟ فلا يكون قد صار متكلما بعد ان لم يكن، ولا يكون كلامه مخلوقا منفصلًا عنه، ولا يكون متكلمًا بغير قدرته ومشيئته، بل يكون متكلمًا بمشيئته وقدرته، ولم يزل كذلك ولا يزال كذلك" [1] ."

وهذا هو مورد النزاع بين السلف والأئمة الذين قالوا بذلك وبين غيرهم.

فيحاول ابن تيميّة في هذا التصور وهو إثبات التسلسل في الآثار، لا المؤثرين، المتعاقب في الآثار شيئًا بعد شيء، ان يدخل لفهم صفات الله تعالى، وتعلق الفعل بها، ودخل بصفة الكلام، إذ يثبت أنها صفة قائمة بالله وهي قديمة أزلية بقدمه تعالى ليس كما قال بعضهم: ان الله لم يكن متكلمًا أي معطلًا عن الكلام والفعل ثم فعل وتكلم، أو ان بعضهم نفى الصفة أصلًا وأثبت كلامًا مخلوقًا راده إلى صفة العلم أو حال العلم وهم المعتزلة، ويثبت له كمال القدرة والمشيئة وانه لا يزال كما كان عليه منذ الأزل ردًا على الفلاسفة الذين نفوا عن الله الإرادة لزوم قولهم بوجوب صدور المعلول عن العلة التامة، حيث يتصورون الله علة تامة لا يجوز ان يتأخر عنها أثرها.

وسنأتي إلى رد ابن تيميّة عليهم بمعرض كلامنا ان شاء الله تعالى.

وان اعترض أحدهم بقول الله تعالى: (وكل شيء عنده بمقدار) [2] . وقوله (وأحصى كل شيء عددًا) [3] . اعتراضا وإبطالا للحوادث التي لا أول لها حيث قالوا: فان ما لا ابتداء له ليس له كل، وقد أخبر انه أحصى كل شيء عددا. فكيف يحشر الله ما لا إحصاء له [4] .

فيجيب الإمام ابن تيميّة على ذلك بعدم تسليمه الاستدلال فيقول:"فإنه سبحانه قدر مقادير الخلائق قبل ان يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وقال: (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) [5] فقد أحصى وكتب ما يكون قبل ان يكون إلى"

(1) المصدر السابق، ج 1، ص 121.

(2) القران الكريم، سورة الرعد، مدنية، آية رقم 8.

(3) القران الكريم، سورة الجن، مكية، آية رقم 28.

(4) انظر، ابن تيمية، أحمد، (درء التعارض) ، ج 1، ص 124./ وانظر أيضًا، السقاف، حسن، (التنبيه والرد) ، ص 9.

(5) القران الكريم، سورة يس، مكية، آية رقم 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت