وأما السبب في هذه المناظرات: وجود من أنكر عليه عقيدته، وبالذات الواسطية، حيث يقرر فيها مذهب السلف، إذ سئل في المجلس عن عقيدته، فأجاب عنها، فأتوا بالواسطية فقرأ منها، وتباحثوا فيها، ثم اجتمعوا مرة أخرى، وقدموا له الكمال الزملكاني، ثم انتهى الأمر على انه اشهد على نفسه على انه شافعي المذهب. فأشاع أنصاره انتصاره، فغضب خصومه، فآذوا اتباعه، عن طريق القاضي جلال القزويني حيث تغير على ابن تيميّة ولعل ذلك ناتج عن كثرة الكلام المنقول من حساده، مما دعا ابن تيميّة إلى أن يشتط على القزويني على فعلته هذه أمام نائب الحاكم، مما دعا النائب إلى أن ينادي: إن من تكلم بالعقائد فانه سيؤذى؛ تسكينا للفتنة.
وقد وصلت الفتنة بين المذاهب إلى أن أوذي الحنابلة في عام 698 هـ، حيث صفع بعضهم في مصر، وسجن ابن تيميّة في برج، ونودي بدمشق أن من اعتقد عقيدة ابن تيميّة فقد حل دمه، وجمع الحنابلة واشهدوا على انهم على مذهب الإمام الشافعي [1] .
لكن قد يقول قائل: كيف يقر ابن تيميّة على انه على مذهب الشافعي ثم يعود لمذهب احمد؟.
أقول: إن مذهب الإمام الشافعي هو امتداد لمذهب السلف، والإمام الشافعي شيخ للإمام احمد، لكننا نفرق بين السادة الشافعية والشافعي، فان الشافعية قد اخذوا بعلم الكلام الذي كان في بداية الأمر مذمومًا؛ لان المعتزلة قد فتنت الناس بدينهم وأثارت مشكلة خلق القران. وهذا ما لم يكن للشافعي.
وهذه المناظرات استمرت حتى توفي الإمام مسجونا؛ نتيجة هذه الآراء والعصبيات [2] ، التي اعتقد أن الإسلام أوسع من أن يضيق في مثل هذه المسائل، وانه يحتمل الطرفين.
لكننا نلحظ أن هذه الأشياء هي نتيجة طبيعية ومتوقعة في ظل ظروف التشظي، والتفرق المذهبي، حيث هاجم ابن تيميّة الخوارج، والمرجئة، والرافضة، والقدرية، والمعتزلة،
(1) انظر، المصدر السابق، ج 1، ص 157.
(2) توفي يرحمه الله عام 728 هـ في سجن قلعة دمشق. انظر، الذهبي، شمس الدين محمد، (تذكرة الحفاظ) ، ج 4، ص 1497.