فان الفلاسفة في رأيه متاولون، كما ان المتكلمين أيضًا متأولون لظواهر نصوص القران، في ان الله خلق الخلق، كالسموات والأرض من مادة، وهي الدخان، فهذا من الاجتهاد الذي يؤجر عليه صاحبه حتى وإن كان مخطئا [1] . كما ان أدلة الغزالي فيما ساق ليست برهانيه انما هي خطابيّة ظنية محتملة الخطأ.
ومن الذين يذهبون إلى عدم تكفير ابن سينا والفارابي في هذه المسالة الشيخ نديم الجسر حيث يراهما من أعظم المؤمنين بال، له ويسوق لهما كلاما يثبت من خلاله انهما مؤمنان. إلا انهما لاخذهما بترهات الأفلاطونية من سر الخلق و التكوين وصدور العقول المفارقة، قالوا بكلام أولئك بالسنتهم لابقلوبهم، من باب التحذلق والتفاخر بالفلسفة، حيث يسوق لهما أقوالا يقرران فيها عجز العقول عن درك الحقائق الإلهية وأسرار الوجود والخلق [2] .
فكأن الشيخ الجسر يفرق بين قول الفارابي وبين اعتقاده، فهو معتقد بالتوحيد، الا انه من باب التحذلق، قال بقول الفلاسفة السابقين في نظرية القدم والصدور.
وأسوق في هذه المناسبة في الكلام عن دعوى الإجماع كلام الإمام ابن حجر في حديث المفارق لدينه التارك للجماعة:"قال البيضاوي: وفي الحديث دليل لمن زعم انه لا يقتل أحد دخل الإسلام بشيء غير الذي عدد، كترك الصلاة ولم ينفصل عن ذلك، وتبعة الطيبي. وقال ابن دقيق العيد: قد يؤخذ من قولهم."المفارق للجماعة"ان المراد المخالف لأهل الإجماع، فيكون متمسكا لمن خالف الإجماع بانه كافر .. وليس ذلك بالهين فان المسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع كوجوب الصلاة مثلًا، وتارة لا يصحبها التواتر، فالأول يكفر جاحده لمخالفة التواتر. لا لمخالفة الإجماع. والثاني لا يكفر به" [3] .
وقد حكى القاضي عياض وغيره الإجماع في تكفير القائلين بقدم العالم واعتبر البعض ان العلم بحدوث العالم من ضروريات الدين التي علم وجوبها بالتواتر ونقل عن ابن دقيق العيد
(1) انظر، المصدر السابق، ص 21.
(2) انظر، الجسر، نديم، (قصة الإيمان) ، ص 58 - 62.ومن الباحثين المعاصرين الذين يوافقون الشيخ الجسر، حسام الدين الآلوسي.
(3) نص الحديث في البخاري:"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ان لا إله الا الله واني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيّب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة". انظر، العسقلاني، ابن حجر، (فتح الباري) ،ج 12،ص 202، باب رقم 5 كتاب الديات رقم 87، رقم الحديث 6878.