فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 132

فأما موقف ابن تيميّة، فإنه يرد نتيجة ومنهج الفلاسفة حيث يرتب رده على النحو التالي [1] :-

أولًا:- انه إذا كان الله علة تامة لزم مقارنة معلوله له، وكل ما سواه معلول له، فيلزم ألا يكون في الوجود حادث، وان لا يكون للحوادث محدث، وكلاهما معلوم فساده ضرورة. فأما أن لا يكون في الوجود حادث فاسد، لإنه خلاف المشاهدة والحس؛ لوجود الحوادث في الكون. واما لا يكون للحوادث محدث ففاسد. لان الفاعل القديم لا يصدر عنه الحادث، فيلزم أن تصدر الحوادث عن غيره، ولم تحدث عنه، وبالتالي حدثت من دون صانع.

ثانيًا:- قولهم انه لا بد للحادث من سبب حادث قبله يتوقف وجوده عليه. قيل لهم: والقول في الحادث الأول كالقول في الثاني، فانه يمتنع إذا كان علة موجبًا بذاته ان يتخلف عنه شيء، أو ان يكون اقتضاؤه لمعلوله متوقفًا على حدوث حادث. إلا أن يكون هناك غيره، كما يقولون في العقل الفعّال: انه عام الفيض، وفيضه متوقف على استعداد القوابل، وهذا ممتنع ممن صدر عنه كل شيء، فإنه لا يوقف إبداعه على غير ذاته أصلًا. فانه لا يجوز تراخي شيء عنه من فيضه، فان تراخى كان السبب في فيضه خارجًا عن ذاته.

ثالثًا:- إذا قيل: ان ذاته تحدث شيئًا بعد شيء. فانه لا يمكن إحداث المحدثات جميعًا. قيل: فهذا ينقض أصل قولكم؛ لان من احدث شيئًا بعد شيء لم يكن موجبًا بذاته في الأزل لشيء معين، بل ان كل ما صدر عنه يكون حادثًا مع ان أفعاله دائمة شيئًا بعد شيء، فانه ليس منها شيء قديم، وكذلك مفعولاته فان المفعول تابع للفعل فلا يكون في أفعاله ومفعولاته شيء قديم وان كانت لم تزل، فان دوام النوع وقدمه ليس مستلزمًا قدم شيء من الأعيان.

رابعًا:- نقول ان دوام الحوادث إما ان يكون ممتنعًا وإما ان يكون جائزًا، فان كان جائزًا ممكنًا أي انه: يمكن وجود حوادث لا أول لها، وممكن ان يكون لها أول. فان كان لها أول كانت حادثة وما لا يخلوا من الحوادث فهو حادث، فالعالم حادث كما يقول ذلك أهل الكلام. وان أمكن دوامها أي لا أول لها، أمكن ان يكون هذا العالم مسبوقًا بحادث قبله فلا يجوز القول بقدمه.

(1) انظر، ابن تيميّة، أحمد، (الصفدية) ، ج 1، ص 131 وما بعدها، وأيضًا ص 280 وما بعدها بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت