موقف ابن تيميّة من دليل الفلاسفة"الإمكان":-
بداية يقرر ابن تيميّة ان الدليل المذكور له أسماء عدة كالمؤثرية، أو الفاعلية أو الخلق والإبداع، أو التكوين والإيجاب، والعلية والاقتضاء [1] . وان هذه الحجة مبنية على انه لا بد أن يكون في الأزل مؤثر تام لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح أو التسلسل. أما المتكلمون فاختاروا الترجيح بلا مرجح وأجابوا بعدة أجوبه في المرجح الذي أخرج العالم من حيز العدم إلى حيز الوجود منها:
1 -إن المرجح هو الإرادة [2] حيث إن وظيفة الإرادة هو تخصيص أحد طرفي الممكن ولا يقال لماذا خصصت؟ لأن هذا الشيء هو ماهيتها وحقيقتها ووظيفتها.
2 -ان المرجح هو العلم.
3 -ان المرجح هو اختصاص وقت الإحداث بحكمة معينة.
4 -ان القادر المختار يمكن أن يرجح أحد المقدورين من غير مرجح.
5 -ان العالم كان ممتنعًا قبل ذلك، ثم انقلب ممكنًا بعد ذلك، وسبب ذلك أن إحداث العالم في الأزل محال، لان الإحداث جعله موجودًا بعد أن كان معدومًا، وذلك يقتضي سبق العدم، والأزل عبارة عن نفي المسبوقية بالغير فكان الجمع بينهما محالًا [3] . ... وبعد أن اتضح رد المتكلمين على الفلاسفة، ومناقشتهم دليلهم، اعترض الفلاسفة عليهم بجملة من الاعتراضات، معتبرين أن رأي المتكلمين هو الرأي الأوحد الذي لا خلاف عليه عند المسلمين، وخاصة أنهم سلكوا طرقًا عقلية قد تختلف فيها العقول، وبالتالي عمدوا بقوة إلى إظهار رأيهم، وأنه من جنس تأويلات وتفسيرات أهل الكلام، وأن هذه المسألة في قولهم بالعلة التامة، كقول المتكلمين في تعدد القدماء [4] عند المتكلمين، وأنها ليست من ضروريات الدين وأنها لا تمس أصل الإيمان.
(1) انظر، ابن تيميّة، احمد، (درء التعارض) ، ج 1، ص 368.
(2) وهذا ما اعتمده الغزالي في رده على الفلاسفة في التهافت. انظر، الغزالي، ابو حامد محمد، (تهافت الفلاسفة) ، ص 52.
(3) للمزيد انظر، الرازي، الفخر محمد، (الأربعين) ، ص 42 - 43.
(4) أي اثبات صفات الله تعالى القديمة، حيث نفى الفلاسفة والمعتزلة الصفات نفيًا لتعدد الذوات، وأما اهل السنة من الأشاعرة والحنابلة فقالوا: انه لا يلزم من تعدد الصفات التعدد في الذوات، والدليل اللغة والشرع. انظر، ابن تيميّة، أحمد، (درء التعارض) ، ج 3،ص 108 وما بعدها.