ومعلوم انه لم يوجده من العدم فبطل الأول والثالث، وبقي إيجاده إذا كان موجودا [1] .
ومن خلال ما مضى نلاحظ الأمور التالية على مفهوم الإمكان عند الفلاسفة:-
1 -ان الممكن ممكن من حيث حاجته لغيره، وقديم من حيث زمان وجوده فهو متأخر في وجودة عن وجودة الله رتبة كتأخر المعلول عن العلة.
2 -ان الممكن واجب بغيره، وان هذا الواجب منه ما هو دائم الحاجة، فعبّروا عنه بقدم المادة. ومنه ما هو مسبوق بالعدم، مؤقت الحاجة وهو الحادث. وان هذا العدم ليس له وجود حقيقي انما هو ذهني، وانما التجدد في الكيفيات والصور.
3 -ان الفلاسفة يثبتون حجتهم على ان الإمكان صفة لشيء موجود، أي ان الإمكان صفة ثبوتية أو وجودية، وأما الحدوث فهو كيفية، متأخر عن الوجود.
وبالتالي فان الفلاسفة يثبتون أزلية الفعل لله لانه صادر عن فاعل أزلي تام في الفاعلية. وأما المتكلمون فمنعوا كون العالم فعلا أزليا؛ لانه حادث كائن بعد ان لم يكن. وأما تمام الفاعلية - أي تلازم العلة للمعلول والعكس فمتى وجد أحدهما وجد الأخر - فلم يقولوا به. حيث أثبتوا لله صفة الإرادة القديمة والتي نفاها الفلاسفة عن العلة التامة أو المبدأ الأول لقولهم بنظرية الصدور أو الفيض، حيث يقول ابن سينا:"ان واجب الوجود لا يتأخر عن وجوده وجود منتظر، بل كل ما هو ممكن له فهو واجب له، فلا إرادة له منتظرة ..." [2] .
وهو عندما ينفي الإرادة انما ينفيها خشية إثبات كمال مكتسب، أو رفع نقص عنه، لذلك نجد ان ابن سينا يقسم العلة إلى تامة وناقصة.
فالتامة: ما وجب معلولها ومفعولها على الدوام سرمدا. والناقصة: ما وجب مفعولها ومعلولها بحسب وجود أم عدم حال ما معين. وبتعبير: آخر ان الناقصة ما أحتاجت مادة أو وقتًا أو معاونًا أو داعيا وغاية ويتأخر ويرد بوجود مانع.
وكذلك فإن التامة متشابهة الأحوال ولا يتجدد لها حال، ولا يزول عنها حال، ولها معلول، وبالتالي وجب صدوره عنها سرمدا على الدوام، فهو معلول دائم غير مسبوق بعدم
(1) انظر، ابن سينا، الحسين، (النجاة) ، ج 2، ص 64.
(2) ابن سينا، الحسين، (المبدأ والمعاد) ، ص 6. وبالنسبة لصفة الارادة عند الفلاسفة، فانهم يؤولونها بالعلم. انظر، نفس المصدر، ص 21. وينفون عن الله الإرادة لشبهة التغير والحاجة، ويثبتونها للنفس الكلية في نظرية الفيض. انظر، ص 29 من نفس المصدر. إلا انهم يثبتون له الإرادة، بمعنى انه راض بما فاض عنه أو بوجود يوجد الكل عنه. انظر ص 32 من نفس المصدر.