فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 157

يعلمها الله تعالى فقد يوجد السحاب ولا يوجد المطر لكن لا يوجد مطر إلا بسحاب، وقد يوجد الزواج ولا يوجد الولد لكن لا يوجد ولد إلا بجماع، وقد يتحقق العمل الصالح لكن يتخلف عنه دخول الجنة لكن لا يدخل الجنة إلا من عمل صالحًا. ولذلك قال الله تعالى بعد ما ذكر ما في الجنة وأنه أعدها لعباده المؤمنين قال: {جزاءً بما كانوا يعملون} والباء هنا باء السبب أي بسبب أعمالهم، لكن ليست باء العوض، أي لأنهم عملوا صالحًا دخلوا الجنة، كقولك: اشتريت كذا بكذا، فإن أحدًا لن يدخل الجنة بعمله حتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله ) ). قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: (( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) ). فالباء في قوله: (( بعمله ) )هي باء العوض والمقابلة. والباء في قوله تعالى: {بما كانوا يعملون} هي باء السبب، فالأعمال سبب من أسباب دخول الجنة، لكن ليست الجنة عوضًا لازمًا للأعمال، قال ذلك أبو العباس بن تيميه.

إذا علمت هذا فاعلم أن الأسباب نوعان باعتبار معرفتنا بمسبباته، أي عرفنا أن هذا سبب لهذا عن طريقين عن طريق الشرع وعن طريق القدر، فالشرع يخبرنا أن هذا الشيء سبب لهذا الشيء ومترتب عليه: كقوله تعالى: {جزاءً بما كانوا يعملون} فأخبرنا أن الأعمال الصالحة سبب من أسباب دخول الجنة والآيات كثيرة، وكذلك القدر أي عرفنا قدرًا أن هذا الشيء سبب لهذا الشيء، كعلاج الحرارة دلت التجربة على أنه سبب لانخفاضها، وعلاج الإسهال دل على أنه سبب لإمساك البطن والبروز للحرارة دل على أنه سبب للإصابة بالحمى وهكذا، فمن ادعى أن هذا الشيء سبب لهذا الشيء فنحن نطالبه بالدليل الذي دله على هذه السببية، إذا علم هذا فليعلم أن كل من تعلق سببًا لم يدل عليه دليل شرعي أي لم يدل على سببيته شرع من كتاب وسنة، ولم يدل عليه قدر كالتجربة مثلًا فلا يخلو من حالتين: إما أن يعتقد أن هذا السبب هو الفاعل للمسبب بذاته، فإذا اعتقد ذلك فهذا هو الشرك الأكبر، إما أن يعتقد أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت