الأمر بل لها كيفية ولكن الذي ننفيه هو علمنا نحن بهذه الكيفية، فلا يعلم هذه الكيفية أحد إلا الله تعالى، لا يدري عنها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهذا بالاتفاق إلا أنهم اختلفوا في نبينا - صلى الله عليه وسلم - والصواب أنه لم يره، لقوله لما قيل له: (هل رأيت ربك؟) . قال: (( نور أنى أراه ) )والأدلة مذكورة في غير هذا الموضع، ذلك أنه لا يمكن معرفة كيفية الشيء إلا بثلاثة طرق: إما بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره أو بإخبار الصادق عنه، وكلها منتفية في حق كيفية صفة الله تعالى فنحن لم نشاهده في الدنيا فقد قال - صلى الله عليه وسلم: (( تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه في الدنيا حتى يموت ) )وتقدم القول الراجح فيه هو - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك ليس لله تعالى نظير أو مثيل حتى نستدل به على الله تعالى، كيف وقد قال الله تعالى: {ليس كمثله ... شيء} وكذلك لم يخبرنا الصادق عن كيفية صفته وإنما أخبرنا أن له صفات كمال ونعوت جلال فقط ولكن لم يقل إن كيفية صفة اليد مثلًا كذا وكذا، فوجب الوقوف على ما وقف عليه النص، فإذا انتفت هذه الطرق الثلاث في حقه - سبحانه وتعالى - فيتقرر حينئذٍ أننا لا نعلم كيفية الصفات وإذا كنا لا نعلمها فنحن نفوض علم كيفيتها إلى الله تعالى فأهل السنة مفوضة في الكيفيات.
وأما أننا لسنا من المفوضة في المعاني فذلك لوجوه:
الأول: قد أمرنا الله تعالى في كتابه الكريم أن نتدبر آياته فقال الله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} ، وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} وآيات أُخر فلو كنا لا نعلم معانيه فكيف يأمرنا بتدبر شيء لا نعلم معناه، فإن هذا من تكليف ما لا يطاق وهو منتفٍ في الشريعة الإسلامية، فلما أمرنا بتدبره وتعقله علمنا أنه مما يمكن تدبره وتعقله وهذا الحكم عام في جميع الآيات سواءً كانت من آيات الصفات أو غيرها.