حقٌ قبلناه، وإن أُريد به باطلٌ رددناه. وحتى تتضح هذه القاعدة نضرب بعض الفروع عليها:
منها: لفظ (الجهة) فيقال: هل الله تعالى في جهة؟ فيقال: إن لفظ الجهة لا نثبته لعدم وروده في القرآن الكريم ولا السنة ولا في كلام السلف، أما معناه فنتوقف فيه؛ لأن لفظ الجهة فيه حق وفيه باطل. فنقول: ما ذا تريد بلفظ الجهة؟ هل تريد به جهة سفلٍ؟ أم جهة علو محيطة بالله تعالى؟ أم جهة علو غير محيطةٍ بالله تعالى؟ فإن أراد الأول فهو باطل؛ لأن جهة السفل نقص والله تعالى منزه عن النقص. وإن أراد الثاني فهو باطل أيضًا؛ لأن الله تعالى لا يحيط به شيءٌ من مخلوقاته. وإن أراد الثالث فهو حق يجوز على الله تعالى، لكن لا نسميه بالجهة وإنما نسميه بالعلو؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار في خطبة عرفة إلى السماء، وكذلك لما قال للجارية: (( أين الله ) )؟ قالت: في السماء. رواه مسلم، وكذلك في الدعاء كان يشير إلى جهة العلو. فالله تعالى في العلو المطلق على ما يليق بجلاله وعظمته.
فصار إذًا لفظ الجهة يحتمل الحق ويحتمل الباطل، فلو رددناه مطلقًا لأدى ذلك إلى رد ما فيه من الحق، ولو قبلناه مطلقًا لأدى ذلك إلى قبول ما فيه من الباطل، لكن لما استفصلنا تميز الحق من الباطل فقبلنا الحق؛ لأن الحق يجب قبوله، ورددنا الباطل؛ لأن الباطل يجب رده.
ومنها: المكان، فإذا قيل لك هل الله تعالى في مكان؟ فقل: أما لفظ المكان فلا نثبته؛ لعدم ورود الأدلة بإثباته، ولم يثبت عن السلف القول به، وأما معناه فنتوقف فيه، فيقال: ماذا تريد بأن الله تعالى في مكان هل تعني أنه مكان سفل فهو باطل لأن الله تعالى منزه عن النقص والسفل نقص، أم تريد مكان علو محيط بالله تعالى فهو باطل أيضًا لأن الله تعالى لا يحيط به شيءٌ من مخلوقاته، أم تريد مكان علو غير محيط بالله تعالى فهذا حق نثبته لله تعالى