بغي، وكذاب ليس بنبي، ... فقلنا: هو رسول الله. والنصارى قالوا: هو الله وابن الله وثالث ثلاثة، فقلنا: هو عبد الله.
ومنها: أن اليهود يرون أن الحائض لا تآكل ولا تجالس في البيوت، والنصارى لا يحرمون جماعها، والشريعة المحمدية تجيز أن يفعل الإنسان كل شيءٍ إلا النكاح. فالأولون أفرطوا، والآخرون فرطوا، والمسلمون توسطوا.
إذا علمت هذا فاعلم، أن مذهب أهل السنة والجماعة وسط بين مذاهب الأمة وفِرَقِها كوسطية الأمة بين بقية الأمم؛ ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهذه الفرق تنقسم إلى ثلاث فرقٍ غالبًا: فرقٌ أفرطت في هذه المسألة، وفِرقٌ فرَّطت، وفرقة واحدة فقط توسطت في كل المسائل، فهذه الفرقة المتوسطة في كل مسائلها هي أهل السنة والجماعة، وأما بقية الفرق فهم على طرفي نقيض، إمّا مُفْرِطٌ وإمّا مُفَرِّطٌ.
وسبب هذه الوسطية التي تتمتع بها هذه الفرقة - زادها الله تعالى شرفًا ورفعة - هو أنهم تمسكوا بما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، تمسكًا لا زيادة معه ولا نقصان، وقد تكفل الشارع أن من تمسك بالدليل فهو على الهدى والصراط المستقيم، فالمتتبع لمذاهب الفرق يجد أن كل فرقةٍ من الفرق تأخذ ببعض الأدلة وتَدَعُ البعض، لكن أهل السنة والجماعة يأخذون بكل الأدلة، وحتى تتضح هذه القاعدة أزيدها بعض الفروع فأقول:
فمنها: مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات، فهم وسط بين فرقتين، المُمَثِّلة والمعطِّلة، فالممثِّلة قالوا: نحن نثبت لله الصفات لكن على وجهٍ يماثل صفات المخلوقات، والمعطِّلة قالوا: نحن ننزه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات تنزيهًا ننفي معه جميع الصفات، فأهل التمثيل أخذوا بأدلة إثبات الصفات، وتركوا الأدلة التي تنفي مماثلة الله تعالى ... للمخلوقات، والمعطلة أخذوا بالأدلة التي تنفي مماثلة الله تعالى للمخلوقات وتركوا الأدلة