فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 157

وهذه القاعدة تبين أن هذه الشريعة وسط بين الجافي والغالي وبين المُفْرِطْ والمُفَرِّطْ، وذلك أن العدل من أكبر الأشياء التي اهتمت بتقريرها هذه الشريعة العظيمة، فالتوسط سمة ظاهرة في هذا الدين وفي هذه الأمة حيث حضها الله تعالى بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب فالشرع مبناه على العدل والاقتصاد، والتوسط الذي هو خير الأمور وأعلاها كالفردوس الذي هو أعلى الجنة وأوسط الجنة فمن كان في اعتقاده وعبادته معتدلًا فمصيره إليها - إن شاء الله تعالى -.

وأدلة هذه القاعدة كثيرة جدًا، فمنها قول الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} والوسطية هنا من أعظم ما تمتاز به هذه الأمة - زادها الله تعالى شرفًا ورفعة -، قال العلماء: أي خيارًا عدولًا، وكذلك حديث أنس قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادته فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: (أما أنا فإني أصلي الليل ولا أنام أبدًا) . وقال آخر: (أنا أصوم الدهر ولا أفطر) . وقال آخر: (أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا) ، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم منه وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) )متفق عليه، وهذا الحديث ظاهر الدلالة في أن المطلوب هو العدل في العبادة فلا إفراط كما قال هؤلاء ولا تفريط فتترك التطوعات وإنما الموازنة فيقوم وينام ويصوم ويفطر ويتزوج النساء فلا رهبانية في الإسلام، هذا والله هو عين العدل، ويؤيده أيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم: (( إن لربك عليك حقًا وإن لنفسك عليك حقًا وإن لأهلك عليك حقًا فآت كل ذي حقٍ حقه ) )فلا يطغوا حق على حق، ويؤيده أيضًا نهيه - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمر بن العاص عن صيام الدهر ورخص له بعد المراجعة في أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويؤيده أيضًا حديث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت