فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 182

المتوحشة، والحقد المريد الغاشم ليثيران في النفس التمرد ويحضانها بعد زلة واحدة على الكراهية السوداء للشيوخ، وينزوانِ بها إلى تحطيم هؤلاء أو إلى السرى مع الشيطان في كل مهلكة وتيه!! وقد يكون ما زلَّ به المريد في عرف الشيوخ فضيلة في معايير القيم الصادقة!! لتتدبر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه!! كان - عليه الصلاة والسلام - يجلس بينهم فلا يميزه الوافد الغريب، كان يقوده الطفل الصغير، فينقاد له ريان الإشفاق والعطف والرحمة، وكانت المرأة الخلقةُ الثياب تستوقفه في الطريق تستفتيه في دينها، فيقف مبذول الخير، فياض الحنان والتقدير لكرامتها.

ولقد رأى صلى الله عليه وسلم أحد الناس يرتعد رهبة منه، وهو يخاطبه، فزجره بقوله: «إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» . وتقاضاه أحد الناس دَيْنًا، فأغلظ، فهمّ به عمرُ بن الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مه عمر، كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إلى أن تأمره بحسن الطلب» . وما اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه حجابًا، كما أمر ولاته أن يجعلوا وصول الناس إليهم سهلًا ميسورًا.

وقد حلّ ذات مرة وقت إعداد طعام، فكان نصيبه صلى الله عليه وسلم - كما طلب منهم - جمع الوقود، وكان يستشير أصحابه، ويعمل مسرورًا راضيًا بمشوراتهم، وتدبر سيرة أبي بكر يوم دعا الناس على المنبر إلى أن يقوموه إن رأوا فيه اعوجاجًا، فشهد له أحدُ الناس صائحًا: والله لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا.

وتدبر سيرة عمر، وهو يقول من على منبره تعقيبًا على تذكير عجوز له بآية من كتاب الله: أصابت امرأة وأخطأ عمر.

بهذا استقامت للإنسانية كرامتها ووحْدَتُها على الإيمان، وتوطّد لدولة الحق والتوحيد سلطانها الكريم، وسما لأمة الإسلام مكانها ومقامها. فما كان الإسلام ليذل كرامة الإنسانية وفي كتابه هذه الآية: {ولقد كرمنا بني آدم} ، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعبد إنسانًا وهو رسول التوحيد الذي أمر الناس بأمر الله، وهو أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} ، هذا هدي الله، وهذا هو صفاء التوحيد وصدقه وجلاله وكماله.

أما نقلناه عن كتب التصوف فيدعو المريد إلى اتخاذ الشيوخ أربابًا من دون الله. وحينما نزل قول الله عن أهل الكتاب: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} ، قال عدي بن حاتم - وكان نصرانيًا قبل إسلامه: ما عبدناهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أليسوا يحرمون ما أحل الله، فتحرمون، ويحلون ما حرمه، فتحلونه؟» فقال عدي: بلى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فتلك عبادتهم » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت