ويقول الجيلي: «الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس، فيسمى به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي له: محمد، وكنيته أبو القاسم، ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم يليق بلباسه في ذلك الزمان» .
قال الشبلي لتلميذه: أشهد أني رسول الله، فقال: أشهد أنك رسول الله [1] ، فالإنسان الكامل هو قطب الأقطاب، ولا يوجد عند الجيلي قطبُ، وقطب أقطاب بل كل إنسان كامل - وهو الذي تتعين فيه الحقيقة المحمدية - هو قطب أقطاب، ويفيد قوله تنوع في ملابس، أن قطب الأقطاب يظهر في صور مختلفة، ولكنه واحد في حقيقته مختلف في صوره، وقوله: يظهر في كنائس يفيد أن هذا القطب قد يكون قسيسًا، أو أسقفًا نصرانيًا أو حبرًا يهوديًا، وهذه إشارة منه إلى وحدة الأديان، ومن الإنسان الكامل؟ إنه الله عند الجيلي، فهو يقول: «والله هو الولي يعني الإنسان الكامل» .
ويقول عنه في مكان آخر: «عليه يدور أمر الوجود، وبه يكون الركوع والسجود، وبه يحفظ الله العالم، وهو المعبر عنه بالمهدي وبالخاتم» [2] .
وقد زعم ابن الفارض أنه هو القطب القديم، فما قبله قطب، ولا بعده قطب، لأنه هو الأول والآخر، وهاك ما يقول في تائيته الكبرى.
فبي دارت الأفلاك فأعجب لقطبها المح ... يط بها والقطب مركز نقطة
ولا قطب قبلي عن ثلاث خلفته ... وقطبية الأوتاد عن بدلية
يقول: إنه الوجود الذي به دارت الأفلاك، وأنه القطب القديم الذي لم يسبقه قطب، ولا يأتي بعده قطب، أما الأقطاب الحادثة، فمسبوقة بأقطاب، ومخلوفة بأقطاب، فكلما انقضى واحد اختير بدلًا منه قطب آخر من ثلاثة الأبدال، أما هو، فهو القطب الدائم السرمدي الممد لجميع الأقطاب أزلًا وأبدًا، فهو في آن دائم.
علم القطب: يعلم «علم ما قبل وجود الكون، وما وراءه، ولا نهاية له، ويشهد الذات بعين الذات، ويعلم علم جميع الأسماء القائم بها نظام كل ذرة من جميع الموجودات، وهي الأسماء العالية، ويخصص بأسرار دائرة الإحاطة وجميع الفيوض الإلهية» .
ويقول الجيلي عن علمه: «علم العوالم بأجمعها على ما هي عليه من تعاريفها من المبدأ إلى المعاد» [3] .
(1) ص 5 ج 2 الإنسان الكامل.
(2) ص 51 ج 1 المصدر السابق (الإنسان الكامل) .
(3) كما وردت مثل هذه المعاني في كتاب «هذه هي الصوفية» (ص 153) ، وكذا ورد مثلها في كتاب مصرع التصوف للبقاعي (ص 225) تعليق (2) .