وإن استمرَّ إعراضها ولم تَحِنَّ إلى مَعْهَدها الأوَّل [1] ، ولم تحسَّ بفاقتها الشديدة وضرورتها إلى مراجعة قربها من ربها؛ فهي ممَّن إذا غاب لم يُطْلب، وإذا أبَق لم يُسْتَرجع، وإذا جنى لم يُسْتَعتَب. وهذه هي النُّفوسُ التي لم تُؤهَّل لما هنالك. وبحَسْب المُعْرِض هذا الحرمان، فإنه يكفيه، وذلك ذنبٌ عقابُه فيه.
فصل
ومنها: أنَّ الحكمة الإلهيَّة اقتضت تركيبَ الشَّهوة والغضب في الإنسان، وهاتان القُوَّتان فيه بمنزلة صفاته الذَّاتية، لا ينفكُّ عنها، وبهما وقعت المحنةُ والابتلاء، وعُرِّض لنيل الدَّرجات العُلى، واللَّحاق بالرفيق الأعلى، والهبوط إلى أسفل سافلين.
فهاتان القُوَّتان لا يَدَعان العبدَ حتى يُنيلانه منازل الأبرار، أو يضعانه تحت أقدام الأشرار، ولن يجعل الله مَن شهوتُه مصروفةٌ إلى ما أُعِدَّ له في دار النَّعيم، وغضبُه حميَّةٌ لله ولكتابه ولرسوله ولدينه، كمن شهوتُه [2] مصروفةٌ في هواه وأمانيه العاجلة، وغضبُه مقصورٌ على حظِّه، ولو انتُهِكت محارمُ الله وحدودُه، وعُطِّلت شرائعُه وسننُه، بعد أن يكون هو ملحوظًا بعَيْن
= البصري صاحب الزنج، وفي"ذيل الأمالي" (120) من إنشاد الزبير بن بكار لبعض البصريين القشيريين، و"التذكرة الحمدونية" (6/ 60) لبعض بني قشير، وأنشده ثعلب من أبياتٍ في"المحب والمحبوب" (2/ 81) .
قال شيخنا الإصلاحي: وجواب (لما) في الأبيات المرويَّة: زفرتُ إليها زفرةً ... ، وهنا: تيقنتُ ... ؛ فالظاهر أن بعضهم ضمَّن البيت القديم في شعره.
(1) (ح، ن) :"مهدها الأول".
(2) (ق، ن) :"كمن جعل شهوته".