فجَسَّ المَخاضَةَ [1] فلم ير شيئًا، فقالوا: كيف رأيته؟ فقال: رأيتُ دارًا حسنةً مزخرفةً ولكنْ ليس بها ساكن!
* السعادة الثانية: سعادةٌ في جسمه وبدنه؛ كصحته واعتدال مِزاجه، وتناسُب أعضائه، وحُسْن تركيبه، وصفاء لونه، وقوَّة أعصابه [2] .
فهذه ألصقُ به من الأولى، ولكن هي في الحقيقة خارجةٌ عن ذاته وحقيقته؛ فإنَّ الإنسانَ إنسانٌ بروحه وقلبه لا بجسمه وبدنه، كما قيل:
يا خادمَ الجسم كم تشقى بخدمته ... فأنت بالرُّوح لا بالجِسْم إنسانُ [3]
فنسبةُ هذه إلى روحه وقلبه كنسبة ثيابه ولباسه إلى بدنه؛ فإنَّ البدنَ أيضًا عاريةٌ للرُّوح وآلةٌ لها ومركبٌ من مراكبها، فسعادتهُا بصحَّته، وجمالُه وحُسْنُه سعادةٌ خارجةٌ عن ذاتها وحقيقتها.
* السعادة الثالثة: هي السعادةُ الحقيقية، وهي سعادةٌ نفسانيةٌ روحيةٌ قلبية، وهي سعادةُ العلم النافع وثمرتُه؛ فإنها هي الباقيةُ على تقلُّب الأحوال،
(1) كنايةٌ عن اختبار المرء لكشف دخيلته. ويرادفه: سَبْر الغَوْر. انظر:"المعجم الكبير"لتيمور (5/ 322) ، و"التصوف الإسلامي"لزكي مبارك (286) .
(2) (ت، د، ق) :"أعضائه".
(3) البيت لأبي الفتح البستي في"ديوانه" (311) ، وهو في بعض المصادر ضمن نونيَّته المشهورة، وورد مع آخر في نسخ الديوان منفردين عنها.
وفي (ح، ن) بعد البيت زيادة:"وفي رواية:"
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... لتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس فاستكمل فضائلها ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسان""
وهي رواية الديوان، وأظنها كانت تعليقًا لأحد القرَّاء، فأدخله الناسخ في الأصل.