ولا شيء أعظمُ فسادًا لمحلِّ العلم من صَيْرورته بحيث يَضِلُّ بما يُهتدى به، فنسبتُه إلى الهدى والعلم نسبةُ الفَمِ الذي قد استحكَمت فيه المرارةُ إلى الماء العَذْب؛ كما قيل:
ومن يكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مريضٍ ... يَجِدْ مُرًّا به الماءَ الزُّلالا [1]
فإذا فسد القلبُ فسد إدراكُه، وإذا فسد الفمُ فسد إدراكُه، وكذلك إذا فسدت العَيْن.
وأهلُ المعرفة من الصَّيارفة يقولون:"إنَّ من خانَ في نَقْده نَسِيَ النَّقْدَ وسُلِبَه، فاشتبه عليه الخالصُ بالزَّغَل" [2] .
ومن كلام بعض السَّلف:"العلمُ يَهْتِفُ بالعمل، فإن أجابه حَلَّ وإلا ارتحل" [3] .
وقال بعضُ السلف:"كنَّا نستعينُ على حفظ العلم بالعمل به" [4] .
فتركُ العمل بالعلم من أقوى الأسباب في ذهابه ونسيانه.
وأيضا؛ فإنَّ العلمَ يرادُ للعمل؛ فإنه بمنزلة الدليل للسَّائر، فإذا لم يَسِرْ
(1) البيت للمتنبي في ديوانه (130) .
(2) انظر:"روضة المحبين" (531) .
(3) أخرجه الخطيب في"اقتضاء العلم العمل" (40، 41) عن علي رضي الله عنه، ومحمد بن المنكدر.
(4) أخرجه أبو زرعة الدمشقي في"التاريخ" (1/ 311) ، والبيهقي في"شعب الإيمان" (4/ 421، 459) ، والخطيب في"الجامع" (2/ 388) ، و"اقتضاء العلم العمل" (149) ، وغيرهم عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع الأنصاري.