قيل في هذه الآية أيضًا: إنهم عميٌ وبكمٌ وصمٌّ عن الهدى، كما قيل في قوله: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] ، قالوا: لأنهم يتكلَّمون يومئذٍ، ويسمعون، ويبصرون.
ومن نصر أنَّه العمى والبَكَم والصَّمم المضادُّ للبصر والسمع والنُّطق، قال بعضهم: هو عمًى وصممٌ وبكمٌ مقيَّدٌ لا مطلق، فهم عُميٌ عن رؤية ما يسرُّهم وسماعِه. وهذا قد رُوي عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما -، قال:"لا يرونَ شيئًا يسرُّهم" [1] .
وقال آخرون: هذا الحشرُ حين تتوفَّاهم الملائكة، يخرجونَ من الدُّنيا كذلك، وإذا قاموا من قبورهم إلي الموقف قاموا كذلك، ثمَّ إنهم يسمعون ويبصرون فيما بعد. وهذا مرويٌّ عن الحسن.
وقال آخرون: هذا إنما يكونُ إذا دخلوا النارَ واستقرُّوا فيها، سُلِبوا الأسماعَ والأبصارَ والنطق، حين يقولُ لهم الربُّ تبارك وتعالي: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] ؛ فحينئذٍ ينقطعُ الرجاء، وتَبْكَمُ [2] عقولهُم، فيصيرونَ بأجمعهم عُميًا بكمًا صُمًّا؛ لا يبصرون ولا يسمعون ولا ينطقون، ولا يُسْمَعُ منهم بعدها إلا الزفيرُ والشهيق. وهذا منقولٌ عن مقاتل [3] .
والذين قالوا: المرادُ به العمى عن الحجة، إنما مرادهم أنهم لا حجة
(1) أخرجه الطبري (17/ 560) .
(2) على المجاز. وفي (ق) :"تبلم". أي: تسكت.
(3) انظر:"تفسير مقاتل" (2/ 273، 3/ 519) ، و"الكشف والبيان" (6/ 136) ، و"زاد المسير" (5/ 90) .