هذا مضادٌّ لقوله تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا} ، فإن كانت مخاطبتُه آدمَ بَما خاطبه به وقاسمه عليه ليس تكبُّرًا فليس تَعْقِلُ العربُ التي نزل القرآن بلسانها ما التكبُّر!
ولعل من ضَعُفَت رويَّته وقَصُرَ بحثُه [1] أن يقول: إنَّ إبليسَ لم يَصِل إليها، ولكنَّ وسوستَه وصلت!
فهذا قولٌ يُشْبِهُ قائلَه، ويُشاكِلُ مُعتقِدَه، وقولُ الله تعالى حكمٌ بيننا وبينه، وقولُه تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا} يردُّ ما قال؛ لأنَّ المقاسَمة ليست وسوسة، ولكنَّها مخاطبةٌ ومشافَهة، ولا تكونُ إلا من اثنين، شاهدَين [2] غير غائبَين، ولا أحدهما.
ومما يدلُّ على أنَّ وسوستَه كانت مخاطبةً قولُ الله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ} [طه: 120] الآية، فأخبر أنه قال له، ودلَّ ذلك على أنه إنما وسوسَ إليه مخاطبةً، لا أنه أوقَع ذلك في نفسه [3] بلا مقاوَلة، فمن ادَّعى على الظاهر تأويلًا ولم يُقِم عليه دليلًا لم يجب قبولُ قوله.
وعلى أنَّ الوسوسة قد تكونُ كلامًا مسموعًا أو صوتًا قال رؤبة [4] :
*وَسْوَسَ يدعو مُخْلِصًا ربَّ الفَلَق*
(1) (ت، ن، ح) :"وقصر به بحثه".
(2) (ق) :"وشاهدين".
(3) (ت، ح، ن) :"بنفسه".
(4) ديوانه (108) .