ثمَّ زادت الصَّابئةُ [1] في ذلك على الفلاسفة، وقالوا: لما كانت الموجوداتُ في العالم السُّفليِّ مركَّبةً [2] على تأثير الكواكب والرُّوحانيَّات [3] التي هي مدبِّراتُ الكواكب، وكان في اتصالاتها نظرُ سعدٍ [4] ونَحْس، وَجَبَ أن يكونَ في آثارها حُسْنٌ وقُبحٌ في الأخلاق والخَلق والأفعال.
والعقولُ الإنسانيةُ متساويةٌ في النَّوع، فوَجَبَ أن يدركها كلُّ عقلٍ سليمٍ وطبعٍ قَوِيم، ولا تتوقَّفُ معرفةُ المعقولات على من هو مثلُ ذلك العاقل في النَّوع، فنحن لا نحتاجُ إلى من يُعَرِّفُنا حُسْنَ الأشياء وقُبحَها، وخيرَها وشرِّها، ونفعَها وضرَّها، وكما أنَّا نستخرجُ بالعقول من طبائع الأشياء منافعَها ومضارَّها، كذلك نستنبطُ من أفعال نوع الإنسان [5] حَسَنَها وقبيحَها، فنُلابِسُ ما هو حَسَنٌ منها [6] بحسب الاستطاعة، ونجتنبُ ما هو قبيحٌ منها بحسب الطَّاقة، فأيُّ حاجةٍ بنا إلى شارعٍ يتحكَّمُ على عقولنا؟ !
(1) المشركون منهم، الذين يعظِّمون الروحانيات، كهياكل الكواكب السبعة، يجعلونها وسائط بينهم وبين الله. ومنهم طائفةٌ أخرى موحِّدون. انظر:"الملل والنحل" (2/ 7) ، و"درء التعارض" (7/ 334) ، و"الرد على المنطقيين" (288، 480) ، و"الرد على الشاذلي" (136) ، و"إغاثة اللهفان" (2/ 295) ، و"أحكام أهل الذمة" (231) ، وما سيأتي (ص: 1172) .
(2) "نهاية الأقدام":"مرتبة".
(3) بضمِّ الراء وفتحها، من الرُّوح أو الرَّوح. انظر:"الملل والنحل" (2/ 6) .
(4) في الأصول:"سعيد". والمثبت من"نهاية الأقدام".
(5) (ت) :"أنواع فعل الإنسان".
(6) في الأصول:"أحسن منها". والمثبت من"نهاية الأقدام".