وَعَبَدَه واسِتَعْبَدَه: اتَّخَذَهُ عَبْدًَا كَما في قولِه تَعالى: وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَي أنْ عَبَّدْتَ بَني إسْرائِيل (22 - الشعراء) ، والمَعنى أنَّ فِرعون لَمَّا قَالَ لِمُوسى عليه السلام في قوله تعالى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَليدًَا ولَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنين (18 - الشعراء) ، فَاعْتَدَّ فِرعونُ على مُوسى بِأَنَّه رَبَّاه إلى أنْ كَبِرَ وَكانَ جوابَ مُوسى عليهِ السلام لَه في قولِه تَعالى: وِتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَليَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَني إسرائيل (22 - الشعراء) ، أَي: تَعْتَدُّ بَها عَليَّ لأنَّكَ إسْتعبَدْتَ بَني إسرائيل وَلَو لَمْ تَسْتَعْبِدْهُم لَكَفِلَني أَهْلي وَلَمْ يُلْقُوا بَي في اليَمِّ، فإنَّما صارَتْ نِعْمَةً لِمَا أَقْدَمْتَ عليهِ مِمَّا حَظَره اللهُ عليك، فكأنَّ مَوسى عليه السلام قال: وَأَيُّ نِعْمَةٍ عَليَّ في أنْ عَبَّدْتَ بني إسرائيل. وَعَبَدَ اللهَ يَعْبُدُه: تَأَلَّه لَه، وَالتَعَبُّد: التَنَسُّك، والعِبادَةُ قَد تَكون: بِمَعنى الطَّاعَةِ كَما في قولِه تَعالى: إيَّاكَ نَعبُدُ وإيَّاكَ نَستعين (5 - الفاتحة) ، أو بِمَعنى الدُّعاء كَما في قولِه تَعالى: إنَّ الذينَ يَسْتَكْبِرونَ عَن عِبادَتِي (60_غافر) ، أَي: عن دعائي وتوحيديى فإن من فضل الله سبحانه أَنْ نَدَبَ عِبادَه إِلى دُعائِهِ وَتَكَفَّلَ لَهُم بِالإِجابَةِ، أَو بِمَعْنى التَوحيدِ في قَولِه تَعالى: وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدون (56_الذاريات) . ومَعنى قولِه تَعالى: قُل إنْ كانَ لِلرحْمنِ وَلَدٌ فَأَنا أَوَّلُ العابِدِين (81_الزخرف) ، أَي: قُل لَهُم يا محمد إنْ كانَ لِلرحمَنِ وَلَدٌ في زَعْمِهِم فَأَنا أَوَّلُ العابِدينَ إلَه الخَلْقِ أَجْمَعين الذي لَمْ يَلِد وَلَم يُولَد وأَوَّلُ المُوَحِّدين لِلرَّبِ الخِاضِعينَ المُطيعينَ لَه وَحْدَه، لأَنَّ مَنْ عَبَد اللهَ وَوَحَّدَه فَقَد دَفَع أنْ يَكونَ لَه وَلَد في دَعواكُم. وَفي سُورَةِ (الكافرون) خِطَابٌ لِمُشرِكي قُريش الذينَ طَلَبوا مِنَ النَّبِيِّ صَلى الله عليه وسلم أَنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهُم سَنَةً وَيَعْبُدُوا إلَهَهُ سنَة، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: مَعاذَ اللهِ أَنْ أُشْرِكَ بِه غَيْرَه، ثُمَّ نَزَلَت سورةُ (الكافرون) وفِيها أُمِرَ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقولَ لَهُم (لا أَعْبُدُ) الآنَ (ما تَعْبُدُون) وَهُوَ الإلهُ الحَقُّ (وَلا أَنا عَابِدٌ) أَبَدًا (مَا عَبَدْتُم) مِنْ هذِهِ الأَوْثانِ (وَلا أَنْتُم عَابِدونَ) فِيمَا يُسْتَقْبَلُ أَبَدًا (مَا أَعْبُد) ، فَأَيْأَسَهُم مِنَ الذي طَمْعُوا فِيه وَأَيْأَسَ نَبِيَّهُ مِنَ الطَّمَعِ في إيمانِهِم. وَعَبْدٌ لِلدُّنيا وأَعْراضِها، وَهُو المُعْتَكِفُ على خِدْمَتِها وَمُراعاتِها، وإيَّاه قَصَد النَبيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِه: تَعِسَ عَبْد الدِّرْهَمِ، تَعْسَ عَبْدُ الدينار، وعلى هذا النَّحْوِ يَصِحُّ أَنْ يُقال: لَيسَ كُلُّ إِنسانٍ عَبْدًا لِله، فإنَّ العَبْدَ على هذا بِمَعنى العَابِد، لَكِن العَبْدَ أَبْلَغُ مِنَ العابِد، والنَّاسُ كُلُّهُم عِبادُ اللهِ بَلْ الأَشْياءِ كُلِّها كَذلِك، لَكِنَّ بَعْضَها بِالتَسخيرِ وَبَعْضَها بِالإخْتِيَار. وَجَمْعُ العَبْدِ الذي هُوَ مُسْتَرقٌّ: عَبيد، وَجَمْعُ العَبْدِ الذي هو العَابِد: عِبَاد، فَالعبيدُ إذا أُضيفَ ألى اللهِ أَعَمُّ مِنَ العِبادِ، وَلِهذَا قَال تَعالى: وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلعَبيدِ (29 - ق) ، فَنَبَّه أَنَّه لا يَظْلِمُ مَنْ يَخِتَصُّ لِعِبادَتِه، وَمَن إنْتَسَبَ إلى غيرِه مِنَ الذين تَسَمُّوا بِعَبِد الشَّمْسِ وَعَبْدِ الَّلاتِ وَنَحْوِ ذلِك. والعَبَادِلَة هُم: عَبْدالله بنُ عَبَّاس وعَبْدُ الله بن عُمَر وعبدُ اللهَ بن عَمْرو بنِ العِاص. ويُقال: طَريقٌ مُعَبَّد، أَي: مُذَلَّلٌ بِالوَطءِ.
أَصْلُ العَبْرِ: تَجاوُزٌ مِن حَالٍ إلى حَال، فَأّمَّا العُبور فَيَخْتَصُّ بِتَجَاوُزِ الماءِ، إمَّا سِباحَةً، أَو في سَفينَةٍ، أَو عَلى بَعيرِ، أَو قَنْطَرَةٍ، ومِنْهُ عِبْرُ النَّهْرِ: لِجانِبِه حَيْثُ يُعبَرُ إليهِ أَو مِنْهُ عَبَرْتُ النَّهْرَ، والطَّريقُ أعْبُرُه عَبْرًَا وَعُبُورًَا إذا قَطَعْتُه مِنْ هَذا العِبْرِ إلى ذَلِكَ العِبْر. وَعَبَرَها في نَفْسٍه: أَعْرَبَ وَبَيَّنَ، واِّللسانُ يُعَبِّرُ عَمَّا في الضَميرِ، والإسْمُ: العِبْرَة والعِبَارَة. والعِبَارَةُ: مُخْتَّصَةٌ بِالكَلامِ العَابِرِ الهَواءِ مِنَ لِسانِ المُتَكَلِّم إلى سَمْعِ السَّامِعِ. والإعْتْبارْ والعِبْرَة: الحَالَةُ التي يُتوصَّل بِها مِن مَعْرِفَةِ المُشاهَدْ إلى مَا لَيسَ بِمُشَاهَد. وَرَجُلٌ عابِرُ سَبيل: مارٌ بِالطَّريق. قَال تَعالى: وَلا جُنُبًُا إلا عَابِري سَبيلٍ حَتى تَغْتَسِلوا (43 - النساء) ، عَن إبنِ عبَاس قال: لا تَدْخُلُوا المَسجِدَ وأنْتُم جُنُب إلا عابِري سبيل، قَال: تَمُرُّ بِه مَرًَّا ولا تَجْلِس. وعَبَر السَّفَر يَعْبُرُه عَبْرًَا: شَقَّه، وعَبَر الكِتابَ يَعْبُرُه عَبْرًَا: تَدَبَّرَه في نَفْسِه وِلِم يِرْفَع صَوْتَه بِقراءَتِه. والعِبْرَةُ: العَجَب، وإعْتَبَر مِنه: تَعَجَّبَ، والعِبَر: جَمْعُ عِبْرَة، وهي كَالمَوْعِظَة مِمَّا يَتَّعِظُ بِه الإنسانُ ويَعْمَل بِه وَيَعْتَبِر لِيَسْتَدِلَّ بِه على غَيْرِه، والعِبرَة: الإعتِبَار