مَن شَمَلَهُم حِفْظُ الراعي ونَظَرُه. وجُعل الرَّعْيُ والرِّعاءُ لِلحِفْظِ والسِّياسَة، قَال تَعالى: فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِها (27 - الحديد) ، أَي: ما حافَظوا عَلَيْهَا حَقَّ المُحافَظَةِ. ويُسَمَّى كُلُّ سَائِسٍ لِنَفْسِه أولِغيرِه رَاعِيًا، قال عليه السلام: كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مَسؤولٌ عَن رَعِيَّتِه، أي حَافِظٌ مُؤْتَمَن. وفي قَوْلِه تَعالى: والذينَ هُم لأَمَانَاتِهِم وَعَهْدِهِم رَاعون (8 - المؤمنون) ، أَي: قَائِمُون بِحفظِ ما أئُتُمِنوا عَليه مُوفُونَ بِما عَاهَدوا اللهَ والناسَ عليه. وأَرْعَاهُ سَمْعَه: مِنَ الإِرْعاءِ والمُراعاة، وَمِنْهُ قَوْلُه تَعالى: يا أَيُّها الذينَ آمَنوا لا تَقُولُوا رَاعِنا وقُولُوا أُنظُرنا وَاسْمَعُوا (204 - البقرة) ، أَي: رَاقِبنا وَتَأَنَّ بِنا حَتى نَفْهَمَ كَلامَك ونَحفَظَه. وَكَانَت هذه الَّلفْظَةُ بِلُغةِ اليهود سَبًَّا قَبيحًا، فَنُهِىَ المُؤمِنون عَن مُخاطَبَةِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم بِهَذِه الَّلفْظَةِ قَطْعَا لأَلسِنَةِ اليهودِ حتى لايِتَّخِذونَها ذَريعَةً إِلى سَبِّه صلى الله عليه وسلم وأُمِروا أنْ يَقُولوا أنْظُرْنا، أَي: إنتَظِرنا وَتَأنَّ، أَو أُنْظُر إليَنْا، وكَذَلِكَ قولُه تعالى: وَرَاعِنا لَيًّا بِأَلسِنَتِهِم وَطَعْنًَا في الدِّينِ (46 - النساء) ، أي: إفْهَم عَنَّا وأَفْهِمْنا، كانَ الرجلُ مِنَ المُشرِكين يَقولُ: أَرْعِني سَمْعَكَ، يَلوي لِسانَه بِذلك بِتَحريفِ مَعناه، قال إبن عباس، (لَيًَّا بِأَلْسِنَتِهِم) : تَحْريفًَا بِالكَذِب. والرَّاعِن: الخَطَأُ مِنَ الكَلام. وفي الحديثِ: شَرُّ الناسِ رَجلٌ يَقَرأُ كِتابَ الله لا يَرعَوِى إلى شيءٍ مِنْهُ، أَي: لا يَنْزَجِر، مِن رَعا يَرعَوِي إذا كَفَّ عَن الأُمور. ومُراعَاةُ الإنسانِ للأَمْرِ: مُراقَبَتُه إلى مَاذا يَصيرُ ومَاذا مِنْهُ يَكون.
الرَّغَب والرُّغب والرَّغْبِةُ والرَّغَبُوت والرّغبى: الضَّرَاعَة والمَسْأَلَة. قال تَعالى: إنَّهم كانوا يَدعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا (90 - الأَنبياء) ، أَي: رَغبَةً في نِعَمِ الله وفيما يَرجُون. ورَغِبَ فيه وَبَه: أَرادَهُ. قالَ تَعالى: ولا يَرْغبوا بِأنفُسِهِم عَن نَفْسِه (120 - التوبة) ، بِأَنْ يًصونوا أَنْفُسَهُم عَمَّا رَضِيَه صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ مِنَ الشَدائِد. وَرَغِبَ عَنْه: لَمْ يُرِدْه. قالَ تَعالى: أَراغِبٌ أَنْتَ عَن آلِهَتي يا إِبْراهيم (46 - مريم) ، أَي: إنْ كُنْتَ لا تُريدُ عِبَادَتَها ولا تَرْضَاها فَانْتَهِ عَن شَتْمِها وَعَيْبِها. وَقالَ تَعالى: وَمَن يَرغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيمَ إِلَّا مَنْ سَفِه نَفْسَه (130 - البقرة) ، أَي: ظَلَمَ نَفْسَه وإسْتَخَفَّها وإسْتَهانَ بِها لِسوءِ تَدْبيرِه بِتَرْكِه الحَقَّ إِلى الضَّلال فَجَهِلَ أَنَّها مَخْلوقَةٌ لِله ولِعِبادَتِه، وَعَنى بِذلِكَ اليَهودَ والنَّصارى، وَهو تَقْريعٌ وَتَوْبِيخٌ وَقَعَ فيه مَعْنى النَّفْي، أَي: وَمَا يَرْغَب. ويُقال رَغَّبه فيه تَرْغيبًا وَأَرْغَبَه فيه أَيْضًَا. قَال تَعالى: وَلَوْ أَنَّهُم رَضوا ما آتاهُم اللهُ ورسُولُه وقالوا حَسْبُنا اللهُ سَيُؤتِينا اللهُ مِن فَضْلِه وَرَسولُه إِنَّا إلى الله راغِبون (59 - التوبة) ، أي: إلى اللهِ نَرْغَبُ في أَنْ يُوَسِّعَ عَلينا مِن فَضْلِه فَيُغْنينَا عَن الصَّدَقَة، وقيلَ الرَّغْبَةُ إلى اللهِ وَحْدَه في التَوفيقِ لِطَاعَةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم وامْتِثالِ أَوامِرِه. وقوله تعالى: وَتَرغَبونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ (127 - النساء) ، أَي: تَوَدُّون الزواجَ مِن يَتامى النساءِ طَمَعًا في مِيرَاثِهِنَّ. وفي قوله تعالى: وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ (8 - الشرح) ، أَي: إجْعَلْ رَغْبَتَكَ أَي ضَرَاعَتَكَ ومَسْأَلَتَكَ إلى ربِّكَ لا إِلى غَيرِه، فهو وحَدهَ القاِدر على إجَابَتِك وإسعافِكَ، يُقال: رَغِبْتُ إِلى فُلان في كذا: سَأَلتُه إيَّاه. ورُوى عَن النَبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: كَيْفَ أَنتُم إذا مَرجَ الدينُ وظَهَرت الرَّغْبَةُ، قَولُه ظَهَرَت الرَّغبةُ أَي كَثُر السُؤالُ وقلّت المَعْرِفَة، ومعنى ظُهورِ الرَّغْبَةِ الحِرصُ على الجَمع مَع مَنعِ الحقِّ. ورغِبَ يرغبُ رَغبِةً إذا حَرِصَ على الشيءِ وطَمِعَ فيه.