وبعد هذا كله، فلست بمبالغ إن قلت أن بولس هذا كان من اشهر دعاة الأرجاء في العالم ومن أوائل الدعاة إليه في تاريخ النصرانية (1) ؛ وقد كان ذلك من أكبر المعاول التي أفسد بها هذه الديانة ،إذ أنك تراه في جميع رسائله تقريبًا يركز على التقليل من قيمة العمل بشريعة موسى التي هي من شريعة عيسى عليهما السلام؛ كالختان، فتراه يدعو إلى إعفاء النصارى من أصحاب الأصول الوثنية منه بل وعدم لزومه مطلقًا، كما يبيح أكل ما ذبح على الأوثان، ويبيع شرب الخمر، كما سيأتي أمثلة من ذلك عند الكلام على رسائله.
وذلك لأنه يرى أن ( دعاة العمل بأحكام الشريعة لعنوا جميعًا ) .
ويقول: ( إن المسيح أنقذنا من لعنة الشريعة، إذ صار لعنة لأجلنا، فقد ورد في الكتاب"ملعون من علق على خشبه") اهـ.
فالإيمان بالمسيح يكفيهم !! عن العمل بأحكام الشريعة ( والشريعة لا تبرّ أحدًا عند الله لأن البار بالإيمان يحيا ) انظر رسالته إلى أهل غلاطية (2/16-17) و (3/10-13) .
(1) المرجئة: فرقة من الفرق الإسلامية المنحرفة عن طريقة أهل السنة والجماعة، وقد ظهر الإرجاء في تاريخ الإسلام ـ وهو فصل الأعمال وإرجاءها عن مسمى الإيمان وتعريفه ـ في أواخر القرن الهجري الأول، وبدأ كرد فعل عكسي على الخوارج المكفرين للمسلمين بالكبائر، وانتهى الإرجاء في زماننا بأهله إلى التقليل من أهمية العمل بل والاستهتار به أو إلغاؤه كركن من أركان الإيمان، مما دفع الناس إلى الاستهانة بشعائر الإسلام وفرائضه ؛ وجرّأهم على المعاصي والخطايا بل وسهل لهم الكفر البواح بدعوى أنه كفر دون كفر ، وجذور هذه العقيدة الفاسدة وأصولها يهودية ، فأنت ترى هنا أن بولس قد سبق إليها ؛ كيف لا وأجداده هم الذين قالوا ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) فجعلوا الشرك الأكبر الذي هو عبادة العجل كفرا دون كفر غير مخلد في النار !!