وهذه المسألة من مواضع الخلاف عند الفقهاء مع كون الدليل فيها صريحًا في غير هذا، وذلك أن سلمان هنا يرويه كما في رواية معتمر بن سليمان عن أبيه بهذا الحديث، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن من كان في قيٍ من الأرض فأذن وأقام فصلى، إلا صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طرفاه) ، قالوا: إذا كان صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طرفاه، إشارة إلى أنه منفرد، وليس خلفه أحد من البشر، وإلا لم يكن ثمة حاجة إلى إيراد أن يصلي خلفه من خلق الله أحد، وذلك أن البشر أولى من الذكر من خلق الله الموهومين غير المعروفين، سواء من الجان وغيرهم، وهذا أمر ظاهر، وهذا الحديث مع كونه من الإسرائيليات لكن القول بصحة رفعه كما قال به بعض المحدثين من المتأخرين فيه نظر، ولا حاجة إلى إيراده مع صحة الأحاديث في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يأتي بيانه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) ، ألا يقويه لأن كون هذا الحديث مرفوعًا؟ نقول: لا يقويه، لأن طهارة الأرض واستباحة الصلاة في كل موضع من خصائص هذه الأمة، ولكن كلامنا على مسألة الأذان، وأن الإنسان يؤذن لنفسه هذا الشيء، واستباحة الصلاة شيء آخر، ومعلوم أن أكثر الناس يصلون بلا أذان يختص بهم، وإنما يكتفون بأذان الحي، ولو صلى الناس في بيوتهم رجالًا ونساءً فلا يؤذنون.