ونقول في هذه المسألة مسألة هل نفصل الأذان على الإقامة كما نفصل الأذان والإقامة عن الإمامة؟ نقول: نعم، نفصل الأذان عن الإقامة، ويظهر أن ما كان في ذلك هو العمل، أما ما جاء عن أبي محذورة في أنه أذن وأقام، فيطرأ على ذلك جملة من الاحتمالات منها: احتمال كون المؤذن ذاك تعدى عليه في أذانه، فأراد تأديبه، فيحتمل هذا، خاصة أن أقوال الصحابة رضي الله عنهم المجردة إذا جاءت أحاديث متعارضة في الباب، لو كانت الأحاديث الضعيفة كلها الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام في أن (من أذن فهو يقيم) ما جاء العكس فيها، وما جاء في الباب من الأحاديث المتضادة في هذا كلها ضعيفة، لأمكن أن نجعل حديث أبي محذورة الموقوف عليه يعضد الأحاديث الأخرى (أن من أذن فهو يقيم) ، وقد جاء في ذلك أيضًا أحاديث عن بعض الصحابة أن بلالًا يؤذن و ابن أم مكتوم يقيم، ولكن في أسانيدها ضعف، وذلك أنه يرويه ابن أبي شيبة، وكذلك ابن سعد في الطبقات من حديث يزيد بن هارون، عن حجاج، عن شيخ من أهل المدينة، عن بعض مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإسناد فيه جهالة ولا يصح، وعلى هذا نقول: إن الأدلة في ذلك والعمل فيه تضاد، ونجعل الأمر على الأصل، وإنما جرى عمل الناس على هذا الأمر لضبط هذه الحال كما تكون أحوال الناس من جهة الصلوات، فالإمام يصلي الصلوات الخمس، ويرتبط بغيرها، كصلاة القيام والتراويح، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء، وأضرابها، وصلاة الجمعة، وهي خارجة عن الصلوات الخمس منفصلة، لا يكون لها إمام آخر، أو تسقط أحقيته في الإمامة حتى يأتي تكليف آخر، ولهذا نقول: إن ذلك الأمر مدعاة لحملها وتوابعها مما هو من جنسها، وهذا أدعى لحفظ الأمانة، وصونها من الخلل.