أقول: هذا معاذ يرى أبا جهل ومعه كوكبة من الفرسان لتحميه فيحاول الدخول إلى أبي جهل ... ويفعل - رضي الله عنه - ثم يضرب أبا جهل في فخذه ويقطعها مع ساقه، فبادره عكرمة بن أبي جهل بضربة في يده فقطعها، فأصبح يجر يده معه، وآلمته وهو يسحبها فلما رأى أنها ستشغله عن مواصلة القتال وطأ عليها بقدمه ورماها خلفه [1] !! سبحان الله! عضو من أعضائه!! يده ... يرميها ويطأ عليها! لماذا؟ وقد كان يستطيع الذهاب للمؤخرة مؤخرة الصف ويعالج نفسه، أو يستريح من عناء المعركة، ويخفف على نفسه من آلام القطع ولكنه أبى إلا أن يطأها فما السبب؟ السبب، وهو من أعجب العجب، إنه الإيمان يصنع أكبر من ذلك! إنه خشي أنها ستشغله عن المواصلة والاستمرار على الجهاد والقتال في بدر ... ومع ذلك كله ... ماذا حصل له؟ هل مات؟! لقد عاش بعد ذلك حتى زمن عثمان - رضي الله عنه! لتعلم أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها.
أقول: ضحَّى بيده بعضو من أعضائه ... فكيف بمن شغله البيع والشراء والعقار والدور والمال والولد عن طاعة الله عز وجل؟! قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}
[المنافقون: 9] .
بل انظر إلى الأسئلة التي يسألها أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتي تدل على الهمة العالية، كما قال البحتري:
(1) انظر: سير أعلام النبلاء 1/ 249.