فالنوافل عامل عظيم من عوامل الثبات على الدين والاستقامة على الشرع، والنوافل سبب كبير لحصول محبة الله، والنوافل طريق مهم لجبران النقص والخلل في الفرائض.
فالله الله بها والحرص عليها بجد وإخلاص ومتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وبعد عن الغلو والتنطع الممنوع سواءً بصلاة أو صيام أو صدقة أو نسك أو تلاوة وغيرها.
ولذا قال - صلى الله عليه وسلم: «أعنَّي على نفسك بكثرة السجود» . وأقواله وأفعاله - صلى الله عليه وسلم - وكذلك السلف الصالح من الصحب والأتباع وأئمة المسلمين كثيرة مشهورة معلومة في أهمية النوافل؛ بل ومطالعة يسيرة لكتب السير والتراجم «كالإصابة، وسير أعلام النبلاء، وصفة الصفوة» ، وغيرها تبين لك حرصهم الشديد عليها.
وقد وصفهم الله بقوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 17 - 19] .
إذا الليل أقبل كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا هجوع
لهم تحت الظلام وهم سجود ... أنين منه تنفرج الضلوع
وقال آخر:
يحيون ليلهم بطاعة ربهم ... بتلاوة وتضرع وسؤال
في الليل رهبان وعند لقائهم ... لعدوهم من أشجع الأبطال
ولهذا كان أبو مسلم الخولاني يقوم الليل ويجتهد في ذلك كثيرًا حتى إذا تعبت قدماه قال مخاطبًا نفسه: «والله لأزاحمن أصحاب محمد على أبواب الجنة، والله لا يسبقونا بعمل حتى يعلموا أنهم خلَّفوا رجالًا» .
قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] [1] . فيدعو الموفقُ ربَّه أن يثبته على دينه والتزام طاعته؛ فإن العبد له حالات؛ إما أن يقع في الذنب، أو يكون على طاعة؛ فالمذنب تجب عليه التوبة، والتوبة واجبة من كل ذنب وفي كل حين كما قرّر العلماء، والمحسن عليه أن يعيش بين الخوف والرجاء ويسأل الله القبول ثم يدعو الله أن يثبته على الدين.
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو رسول الله المغفور له ما تقدم وتأخر من ذنبه، وسيّد المستقيمين - يدعو الله أن يثبت قلبه على الدين؛ فتارة يدعو ويقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» [2] .
وتارة يقسم بذلك: «لا ومقلّب القلوب» [3] ؛ لأنه يعلم أنه: «لقلب ابن آدم أشد انقلابًا من القِدَرِ إذا استجمعت غليانًا» [4] ، وكما تقدم، فالقلب ملك الأعضاء وسيدها، فإذا
(1) انظر: الفوائد ص 118. وقال ابن عباس في تفسير الآية: «يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار» ، وانظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب 1/ 470، وصححه الحاكم 2/ 328 ووافقه الذهبي.
(2) انظر: صحيح الجامع برقم 7987.
(3) انظر: المشكاة برقم 3406.
(4) انظر: صحيح الجامع برقم 5147.