عليه ذلك الموقف، قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} [الإنسان: 26، 27] ».
فالنوافل - بإذن الله - من أهم ما يحفظ به العبد دينه، ويساعد على مواصلة العمل واستمراريته والمداومة عليه؛ فهي - في الحقيقة - السور المحكم، والجدار المنيع الواقي، والحافظ بعد حفظ الله والإخلاص والمتابعة والفرائض؛ فهي أسوار تحيط بالفرائض، وعقبات أمام الشيطان تحول بينه وبين المساس بالواجبات، فما أجملها من أسوار وسياجات ربانية، ويحفظ الله بها على العبد دينه وفرائضه.
إنها سبب لمحبة الله، ومن ثمّ هي سبب لاستقامة الجوارح كلها، وهي - أي النوافل - بأنواعها سبب لحصول محبة الله - عز وجل، وإذا أحب الله عبده أمر جبريل - عليه السلام - بمحبته، ثم يحبه أهل السماء، فيوضع له القبول في الأرض، ويحبه الناس، وإذا أحبه الله - عز وجل - وفقه للطاعة وسلوك صراطه والاستقامة على شرعه؛ وذلك بأن يرزقه الله استقامة في جميع جوارحه ويهديه لخير الأعمال وأحسنها، كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبد بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» . فيا له من فضل وأجر كبير ونعمة لا تقدر بثمن، فلا ينظر إلا بنور من الله، ولا يسمع ولا يتكلم ولا يتحرك إلا بنور من الله، فهو موفق بتوفيق الله، فهو لله وبالله - عز وجل.
«ومن قال بغير هذا التفسير للحديث فقد قال ببدعة وضلالة أهل الحلول والاتحاد» ؛ لا ينظر للحرام، بل نظره مرضاة الرحمن من تلاوة وذكر وطلب علم ونحوه، ولا يسمع الحرام؛ بل سماعه للقرآن والحديث والعلم النافع والكلام الطيب، قال تعالى: {وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: 26] ، ولا تمتد يده للحرام؛ بل يده في كل خير سباقة؛ فينفق ويتصدق، ويساعد ويحمل عن الضعيف، وينفع المسلمين، ولا يمشي للحرام؛ بل خطواته لبيوت الله وحلق الذكر، والعلم وزيارة الأرحام والصالحين والعمرة ... إلخ.
فأي استقامة للجوارح أعظم من هذه؟ فما الطريق إليها؟ إنها محبة الله - عز وجل - وما السبيل لمحبة الله؟ إنها بأمور منها التقرب إليه بالنوافل، ومعلوم أن النوافل تجبر النقص وتسدّ الخلل في العبادات المفروضة يوم القيامة، يوم العرض على الله، يوم الحساب والجزاء، فإذا حصل في صلاة العبد المفروضة نقص أو خلل، نُظِرَ في تطوعه ونوافله ليجبر بها النقص الحاصل، وكذلك في الصوم والحج والزكاة ونحوها [1] .
(1) كما في حديث جبران النقص (انظروا هل لعبدي من تطوع) . انظر: صحيح الجامع: 2571، 2574.