فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 113

ولهذا الذي تقدم من حياة طيبة، وحفظ في الدارين، وبشارة بالجنة، التي فيها ما تلذ الأعين، وتشتهي الأنفس، وتطمئن على الماضي والمستقبل، وثقة بالله ويقين بذلك كله أقول: لما فقه السلف الصالح ذلك جيدًا، وعلموا ما أعده الله للمستقيم على شرعه، والمحافظ على دينه، ولمحبتهم لله ورسوله ولدينه هانت عليهم الدنيا وما فيها، ورخصت عندهم الحياة، فضحوا - رضي الله عنهم - بالغالي والنفيس؛ ضحوا بالمال، والدور، والعقار، والأرض ... فكانت الهجرة؛ ضحوا بالأهل والولد، وتقاسموا الأرض والزوج ... فكانت الدعوة والنصرة! بل ضحوا بأنفسهم وقدموها رخيصة في سبيل الله فكان الجهاد.

من ذا الذي باع الحياة رخيصة

ورأى رضاك أعز شيء فاشترى

فاشتروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] ؛ طلقوا الدنيا ثلاثًا، طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه:

إن لله عبادًا فطنًا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي سكنًا

جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمل فيها سفنا

تركوا الدنيا لأهلها، وأخذوا منها ما يبلغهم الدار الآخرة، ويقويهم على الطاعة، ويعينهم على العبادة، ويثبتهم على الاستقامة، ويكون عونًا لهم على الدعوة والجهاد في سبيل الله؛ ورضى الرحمن؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت