قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}
[القصص: 77] ؛ جعلوا الآخرة همهم وطاعة الله ورضاه غايتهم، فأتتهم الدنيا بأسرها وهي راغمة ودانت لهم الأرض وساسوا الخلق، فأصبحوا قادة وسادة الأمم بعد أن كانوا رعاة غنم - رضي الله عنهم أجمعين - وما قصة ربعي بن عامر البدوي الأعرابي، ذاك الرجل البسيط، ممزق الثياب، مثلوم الرمح والسيف، ذي الفرس الهزيل مع (رستم) قائد الفرس، وأمير الجند، ذي السلطان والقوة والمنعة والجبروت والأبهة والاحترام والهيبة- أقول: ما قصته وعزته ورفعته عنك - أخي القارئ الكريم - ببعيد، ولا بأس من ذكرها كاملة للعبرة والفائدة، ولتعلم كيف تصنع الاستقامة من الحفاة العراة الرُّحَّل البدو، وكيف تَرْفع من شأنهم في الدنيا والآخرة:
(يخرج"ربعي"ليدخل على رستم، فأوقفه عسكره وأخبروا(رستم) بمجيئه، فاستشار عظماء قومه فأشاروا عليه بالتباهي وإظهار الخيلاء والفخر والقوة والمنعة، فزين مجلسه بالنمارق [1] المذهبة، والزَّرابيِّ الحرير، واللآلئ الثمينة والرزينة العظيمة، ولبس تاجه المزخرف وجلس على سرير من ذهب، فدخل ربعي بثيابه المرقعة، وفرسه القصير، وسيفه وترسه، ولم يزل راكبًا حتى مشى على طرف البساط، ثم نزل بها، وربطها ببعض الوسائد ولم يستطيعوا أن ينكروا عليه، فأقبل
(1) النمارق: الوسائد.