فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 113

ومعه سلاحه! فقالوا: ضع سلاحك، قال: إني لم آتكم بل أنتم الذين دعوتموني؛ فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت!! قال رستم: ائذنوا له. فأقبل يتوكأ على رمحه المثلم فوق النمارق، فخرقها، فقيل: ما حملك على هذا؟ قال: إنَّا لا نستحب القعود على زينتكم هذه! ثم جلس، فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال - رضي الله عنه - كلمته المشهورة، التي حفظها التاريخ، ورددتها الأجيال، ووعاها الزمان، قالها بفطرته السليمة، وعقيدته القوية: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله» . قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقى. وبعد ذلك حصل نقاش حول إمهالهم ثلاثة أيام إما أن يسلموا، أو الجزية، أو القتال [1] ، والشاهد منها: ثبات ربيعي - رضي الله عنه - وعزته بدينه واستقامته عليه وعدم التفاته واغتراره بما عليه الأعداء.

قال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ}

[آل عمران: 196] . فلا يغيره ترغيب ولا ترهيب؛ بل الدين عنده أغلى من كل شيء!! ولهذا بين هدفه وغايته هو وأصحابه من القتال والجهاد؛ ألا وهو إخراج الناس من الشرك والكفر إلى التوحيد والحق.

أقول: بذل سلفنا الصالح النفس والنفيس من مال وأهل وولد في سبيل الله ومن أجل الحفاظ على هذا الدين والاستقامة عليه، كيف لا وقائدهم ومربيهم محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - الذي ضحى بنفسه وماله وأهله وجاهه بل حتى بدعوته المستجابة ادخرها لنا ولم يصرفها كما فعل من قبله الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين [2] ؛ فلكل نبي دعوة مستجابة دعا بها إلا رسول الله؛ ادخرها لأمته - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال - صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» [3] . ولهذا تعلّم منه السلف واقتدوا به - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وسيرته خير شاهد على بذله وعطائه واستقامته؛ فقد كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان القمة في البذل والعطاء والإنفاق والتضحية لدين الله بكل ما يملك، ويكفيك مطالعة أي كتاب من كتب السيرة؛ لنتعلم منه القدوة والأسوة - عليه الصلاة والسلام [4] .

أما الصحابة فمواقفهم أكثر من أن تُحصر؛ فهذا أبو بكر ينفق ماله كله في سبيل الله لتجهيز جيش المسلمين، ويقول له الرسول

(1) وانظر: قصته في تاريخ الطبري 2/ 401 ط دار الكتب العلمية والبداية والنهاية 7/ 40 ط دار الكتب العلمية المحققة.

(2) انظر: «أخلاق الرسول - صلى الله عليه وسلم -» للشيخ: عبد المحسن العباد.

(3) انظر: مختصر مسلم 95، وصحيح الجامع 5175.

(4) وأنصح بمطالعة: «صحيح الشمائل المحمدية» للترمذي تحقيق الألباني - رحمهما الله -، «الرحيق المختوم» للمباركفوري، «زاد المعاد في هدي خير العباد» لابن القيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت