«من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» ؛ بل إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض والحيتان في البحر؛ حتى النملة في جحرها، ليصلون على مُعلّم الناس الخير.
فالعلم الشرعيّ الصحيح قبل القول والعمل، وقبل الاستقامة، قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}
[محمد: 19] . فبدأ بالعلم قبل القول والعمل كما قال البخاري وغيره، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم» ؛ فالعلم من أعظم الطرق الموصلة للاستقامة؛ بل لا بد منه لتحصل عليها، ولا يكفي أن تكون مخلصًا فحسب حتى يقبل العمل؛ بل لا بد من المتابعة، ولا تحصل المتابعة الكاملة إلا بالعلم الشرعي، علم الكتاب والسنة على فهم السلف.
والعلم يحفظك بإذن الله من الوقوع في الزلل والخطل والخطأ والشرك والبدع، يحفظك من الوقوع فيما حذرنا الله منه من الغلو أو الجفو، من الإفراط أو التفريط، من التشدد دون علم أو التساهل، كل هذه النزغات الشيطانية وغيرها، لا يمكن التخلص منها إلا بالعلم الشرعي المقرون بالصدق والإخلاص والتجرد لله، وفي طلب الدليل والتجرد في متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وترك الانتساب لكل أحد غير الله ورسوله، كما قال ابن القيم رحمه الله في المدارج.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» [1] . ولا شك أن الشيطان قد يضل ويغوي الكثير الكثير من العباد الجهال بالكثير من البدع، قال تعالى: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104] ، وقال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا} [فاطر: 8] ؛ ولكنه يصعب عليه جدًا أن يفعل ذلك مع عالم تقي صادق قد حصن نفسه بالعلم الشرعي الصحيح، وتخلص من الأهواء والشهوات والشبهات، وصدق القائل: «الناس كلهم موتى إلا العالِمين، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملين، والعاملون هلكى إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم» [2] .
فتدبر العبد للقرآن وما فيه من آيات الوعد والوعيد، والأسماء والصفات، وقصص الغابرين السابقين من الصالحين والطالحين، وتدبر نعمه وآلائه وغيرها، كل هذا يورث لينًا في القلب، وانكسارًا للنفس وخضوعًا وإجلالًا ومحبة وتعظيمًا لله رب العالمين، ومن ثمّ يستقيم العبد على شرع من أحب وأجل وعظم وخضع له؛ ولهذا قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22] .
(1) هذا الحديث حسنه الزرقاني في مختصر المقاصد الحسنة، ولكنه ضعفه محدث العصر الشيخ/ ناصر الدين الألباني، انظر: ضعيف الجامع برقم: 3987، والمشكاة 217.
(2) هذه مقولة لا تصح حديثًا كما بينه الشيخ ناصر في السلسلة الضعيفة برقم 76 إنما تروى عن بعض السلف.