بل جعلهم الله شر الدواب؛ قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] . لماذا؟ لأنهم أعرضوا عن الحق، وحتى لو سمعوه لم يستقيموا عليه، كما قال تعالى بعد الآية السابقة مباشرة: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 23] .
أما في الدنيا فهو يتردى في أودية الهلاك يشتت الله شمله، ويمزق جمعه؛ فلا حفظ ولا نصر ولا تأييد، كما قال - صلى الله عليه وسلم: «من كانت الدنيا همَّه شتت الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» [1] .
وقال - صلى الله عليه وسلم: «من جعل الهموم همًا واحدًا هم المعاد كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك» [2] .
وأما في الآخرة فسيسخر نفسه وأهله إن لم يتداركه الله برحمته ويتوب عليه، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 15] .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] . فمن أهمل نفسه وأهله ودفعهم إلى مهاوي الانحراف فإنه يخشى عليه وإياهم من نار عظيمة، وشقاء دائم في الدنيا والآخرة، قال - صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة الجنة» [3] .
خامسًا: البشارة بالنار والعذاب عند الوفاة:
ولهذا فالملائكة تبشر المنحرف بالنار والعذاب عند نزع روحه، ويكون نزعها لروحه شديدًا جدًا كما ثبت في الحديث الصحيح تشبيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - نزع روحه بنزع الشوك من الصوف المبلول [4] . وكذلك يكون استقبال الملائكة له بعكس استقبال المستقيم؛ فلا ترحيب ولا تهنئة؛ وإنما ضرب للوجوه وتقبيح لأعماله ومناداة له بأقبح أسمائه عافانا الله وإياكم من ذلك، قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ
(1) سبق تخريجه.
(2) انظر: صحيح الجامع برقم 6189 عن ابن مسعود - رضي الله عنه - ولهذا فقه السلف ذلك جيدًا، فكان الرجل منهم إذا رأى خلقًا سيئًا في أهله أو خادمه أو حتى دابته علم أن سبب ذلك المعصية، وكانوا يقولون: من ضيَّع تقواه فقد ضيع نفسه، وانظر: جامع العلوم والحكم 1/ 466 - 468 وكذلك لمعرفة خطر الذنوب والمعاصي انظر: «الداء والدواء» أو «الجواب الكافي» لابن القيم - رحمه الله، ولصاحب هذه السطور - عفا الله عنه - رسالة بعنوان: «عذاب الدنيا أسبابه - أنواعه - وسائل دفعه» .
(3) متفق عليه. انظر: اللؤلؤ والمرجان في ما اتفق عليه الشيخان رقم 1200 عن معقل بن يسار.
(4) سبق تخريجه، ص 65 هامش 67.