السَّلك بآلائه إن شاء، أنشأ في يوم مالو دوَّن لكان لأهل الصناعة خير بضاعة، أين قُسُّ من فصاحته، وقيس في حصافته ومن حاتم وعمرو في سماحته وحماسته [1] ، لا منَّ في فعله، ولا مَيْنَ في قوله، ذو الوفاء والمروءة والصفاء والفتَّوة، وهو من الأولياء خُصُّوا بالكرامة، لا يفتر مع ما يتولاه من نوافل صَلاَته ونوافل، صِلاِته [2] . وقال عنه الحافظ المنذري: ركن إليه السلطان ركونًا تاما، وتقدم عنده كثيرًا، وكان كثير البَّر، وله آثار جميلة [3] . وقال الموفق عبد اللطيف: القاضي الفاضل كان ذا غرام بالكتابة وبالكتب أيضًا، له الدين، والعفاف والتُّقى، مواظب على أوراد الليل والصيام والتلاوة، بما تملك أسد الدين أحضره، فأعجب به، ثم استخلصه صلاح الدين لنفسه، وكان قليل اللذات، كثير الحسنات، دائم التهجُّد، يشتغل بالتفسير والأدب، وكان قليل النحو، لكنه له دُربة قوية، كتب من الإنشاء مالم يكتبه أحد، أعرف عند ابن سناء الملك من إنشائه اثنين وعشرين مجلدًا، وعند ابن القطّان عشرين مجلدًا، وكان مُتَقَّللاَّ في مَطْعَمه ومَنْكِحِه وملبسه، لباسه البياض، ويركب معه غلام وركابيُّ، ولا يمُكَّنُ أحدًا أن يصحبه، ويكثر تشيع الجنائز، وعيادة المرضى، وله معروف معروف في السَّرَّ والعلانية، ضعيف البنية، رقيق الصورة، له حَدْبَةٌ يغطيَّها الطيلسان، وكان فيه سوء خلق يُكْمِد به نفسَهُ ولا يضُّر أحدًا به، ولأصحاب العلم عنده نفاق، يُحسنُ إليهم، ولم يكن له انتقام من أعدائه إلا بالإحسان أو الإعراض عنهم، وكان دخله ومعلومه في العام نحوًا من خمسين ألف دينار سوى متاجر الهند والمغرب [4] ،
توفَّي مسكوتا [5] ، أحوج ما كان إلى الموت عند توليَّ الإقبال، وإقبال الإدبار، وهذا يدل على أن لله به عناية [6] وقال عنه أبو شامه: كان ذا رأي سديد وعقل رشيد، معظمًا عند السلطان صلاح الدين، يأخذ برأيه ويستشيره في الملمات، والسلطان له مطيع وما فتح السلطان الأقاليم إلا بأقاليد آرائه، وكانت كتابته كتائب النصر [7] وقد تولى القاضي الفاضل وساهم في أعمال كثيرة في عهد صلاح الدين والتي منها.
1 -رئاسة ديوان الإنشاء: عندما كان صلاح الدين وزيرًا للدولة الفاطمية في مصر كان يعتبر بمنزلة السلطان ويُلقَّبَ
(1) المصدر نفسه (21/ 342) .
(2) المصدر نفسه (21/ 342) .
(3) المصدر نفسه (21/ 342) .
(4) سير أعلام النبلاء (21/ 343) ..
(5) يُعني: فجاءة، وهو ما يعرف في عصرنا بالسكتة القلبية.
(6) سير أعلام النبلاء (21/ 343) .
(7) كتاب الروضتين (2/ 241) .