الأمراء التذمر من صلاح الدين، فلم يلبث التذمر حتى صار عادة وتطور إلى نقد ثم إلى معارضة، أضعفت الصف الإسلامي [1] وقد روى السلطان للخليفة العباسي في رسالة أوضح فيها أبعاد الموقف أمام عكا، وانسحاب الأمراء واحدًا بعد آخر لأن: المدة الطويلة والكلف الثقيلة قد أثرت في استطاعتهم لا في طاعتهم، وفي أحوالهم لا في شجاعتهم، فالبرك (الثياب) قد أقضوه، والسلاح قد أحفوه والدرهم قد أفنوه في حين أن البحر بمد الإفرنج بمراكب أكثر عدة من أمواجه ... فإذا قتل المسلمون واحدًا من البر بعث عوضه ألفًا، وإذا ذهب بالقتل صنف منهم أخلف بدله صنفًا [2] . إلا أن السلطان لم يأسف لشيء بقدر ما أسف لتغيب ابن أخيه تقي الدين عمر الذي ذهب إلى إمارته في الجزيرة على أن يعود في أقرب قوت، فشغلته أحداث الإمارة عن العودة السريعة، وقد رأى صلاح الدين في غياب تقي الدين أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى سقوط عكا [3] .
4 -ضعف المؤسسة المالية في جيش صلاح الدين: كشف الصراع الطويل مع الصليبيين، وسقوط عكا عن مواطن الضعف المادية في جيش صلاح الدين، ومعروف عن صلاح الدين أنه لم يولِ اهتمامًا كافيًا بالإدارة المالية ولم يدخر المال ليوم الحاجة، ويفسر بذل المال الذي عرف عنه، بأن ظروف الجهاد اقتضت ذلك: فقد أنفق المولى مال مصر في فتح الشام وأنفق مال الشام في فتح الجزيرة، وأنفق مال الجميع في فتح الساحل [4] . وسرعان ما لقي نفسه بحاجة شديدة إلى المال، لسد نفقات الأسلحة والمؤن والعلف والمعدات وعطاء الجند وكذلك لم يقدر على التخفيف من الضائقة المالية عن العساكر المرابطين على عكا، والذين اضطروا على الاستدانة، وكذلك احلال خيول وأسلحة جديدة بدلًا من المستهلكة، فالخيول: أجهدها الجهاد .. والعدد فقدت بالكلية وعدمت وتكسرت، وتحطمت وأما النشاب فقد فنى ونفضت الكنائن [5] . ويضيف العماد إلى كلامه أنه: احتيج في هذه السنيين إلى أحمال كثيرة لا يفي بها الصناع ولا يرفعها العمال [6] .
هذه هي أهم الأسباب التي أدت إلى سقوط عكا
(1) المصدر نفسه ص 466.
(2) صلاح الدين الأيوبي قلعجي ص 300.
(3) المصدر نفسه ص 300.
(4) كتاب الروضتين (2/ 177) الجيش الأيوبي ص 467.
(5) الجيش الأيوبي ص 467.
(6) الجيش الأيوبي ص 467 الفتح القسي ص 553.