فهرس الكتاب

الصفحة 431 من 676

ظلمني، فلم يمض غير قليل حتى توفي الدُّزدار المباشر لأذاه، ثم أعقبه مَرض سيف الدين، ودام مرضه إلى أن توفي، وكان عمره نحو ثلاثين سنة، وكانت ولايته عشر سنين وشهورًا وكان من أحس الناس صورة تام القامة، مليح الشمائل، أبيض اللَّون، مستدير اللحية، متوسط البدن بين السَّمين والدقيق، وكان عاقلًا وقورًا، قليل الالتفاف إذا ركب وإذا جلس، عفيفًا، لم يُذكر عنه شيء من الأسباب التي تنافي العِفَّة وكان غيورًا شديد الغيرة، لم يترك أحدًا من الخدم يدخل دور نسائه إذا كبر، إنما يدخل عليهن الخدم الصَّغار وكان لا يحبَّ سفك الدماء ولا أخذ الأموال مع شّحَّ فيه [1]

وبعد وفاته دخلت الموصل في دوامة صراع على البديل، فقد رأى سيف الدين غازي الثاني أن يعهد بالملك لولده معز الدين سنجر وكان عمره آنذاك اثنتا عشرة سنة، إلا أنه خشي على الدولة من بعده من طموحات صلاح الدين بفعل صغر سن ابنه كما أن أخاه عز الدين مسعود، عارض هذا التوجه، بحجة أنه أحق بالسلطة وأيَّده أمراء الموصل، وأوضح الأمير مجاهد الدين قايماز لسيف الدين غازي الثاني المخاطر التي ستواجهها الدولة الأتابكية من جراء توليه ولد صغير، في الوقت الذي تزداد فيه قوة صلاح الدين في بلاد الشام، ويبدو أن سيف الدين غازي الثاني اقتنع برأي أمرائه فعيَّن أخاه عز الدين مسعود خَلفًَا له [2] .

كانت وفاته في الخامس والعشرين من رجب من سنة 577هـ بقلعة حلب ودفن بها وكان سبب وفاته فيما قيل - أن الأمير علم الدين سليمان بن جندر سقاه سُمَّا في عنقود عِنب في الصَّيْدِ وقيل: بل سقاه ياقوت الأسدي في شراب وقيل: في خشكنانجة، فاعتراه قولنج، فما زال كذلك حتى مات رحمه الله، وهو شاب حسن الصورة، بهيُّ المنظر، ولم يبلغ عشرين سنة وكان من أعف الملوك ومن أشبه أباه فما ظلم، وصف له الأطباء في مرضه شُرب الخمر فاستفتى بعض الفقهاء في شُربها تداويًا فأفتاه بذلك، فقال له أيزيد شُربها في أجلي، أو ينقص منه شيئًا؟ قال لا.

قال: فوالله لا أشربها فألقى الله وقد شربت ما حّرمه عليَّ ولما يئس من نفسه استدعى الأمراء فحلَّفهم لابن عَّمه عز الدين مسعود صاحب الموصل؛ لقوة سلطانه وتمكنه ليمنعها من صلاح الدين، وخشي أن يبايع لابن عَّمه الآخر عماد الدين زنكي صاحب سنجار، وهو زوج أخته وتربية والده فلا يمكنه حِفظها من صلاح الدين، فلمّا مات استدعى الحلبيون عز الدين مسعود بن قطب الدين، صاحب الموصل،

(1) المصدر نفسه ص 66 ..

(2) الكامل في التاريخ (9/ 446 - 447) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت