الكنيسة [1] .
وهذا من دهائه وقدرته على توظيف العواطف والمشاعر لخدمة مشروعه لقد أثرت الكنيسة لما لها من سلطان على قلوب الناس في غرب أوروبا في تلك العصور على الدعوة لهذه الغزوة، وترتب على دعوة الكنيسة خروج الناس أفواجًا في حملات صليبية ضخمة متلاحقة إلى المشرق الإسلامي [2] ، ولا ننسى الحقد الصليبي على الإٍسلام وأهله، فقد انتزع من أيديهم أرضًا كانت تحت سلطتهم وحرر منهم عبيدًا كان يرزحون تحت وطأتهم واستلب منهم ملكًا كان في قبضتهم، فغلت مراجل الحقد في صدورهم، وتأججت نار العداوة في قلوبهم، وأخذوا يتحينون الفرص ليستردوا ما فقدوا وينتقموا لأنفسهم ممن نكبوهم، ومزقوا مملكتهم [3] ، وهذا المستشرق المشهور الأميرليون كايتاني (1869م إلى 1926م) الذي بذل معظم أمواله ليؤرخ لحركة الفتح الإسلامي في كتابه المعروف؛ حوليات الإسلام يوضح لنا سر الحقد على الإسلام والمسلمين في مقدمة كتابه حيث يقول: إنه إنما يريد أن يفهم من عمله ذاك سر المصيبة الإسلامية (كانا ستروفيكا إسلاميكا) التي انتزعت من الدين المسيحي ملايين من الأتباع في شتى أنحاء الأرض ما يزالون يدينون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ويؤمنون به نبيًا ورسولًا [4] ، قال تعالى"ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءَهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير" (البقرة، آية: 120) وقال تعالى"ولايزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" (البقرة، آية: 217) .
ثانيًا: الدافع السياسي: كان الملوك والأمراء الذين أسهموا في الحركة الصليبية يسعون وراء أطماع سياسية لم يستطيعوا إخفاءها سواء قبل وصولهم إلى الشام وفلسطين أو بعد استقرارهم فيهما والمعروف أن النظام الإقطاعي ارتبط دائمًا بالأرض وبقدر ما يكون الإقطاع كبيرًا والأرض واسعة، بقدر ما تكون مكانة الأمير سامية في المجتمع وفي ظل هذا النظام كانت المشكلة الكبرى التي يمكن أن تواجه الأمير والفارس هي عدم وجود أقطاع أو أرض له، مما يجعله
(1) المصدر نفسه ص 152.
(2) تاريخ الوطن العربي والغزو الصليبي ص 22.
(3) أسباب الضعف في الأمة الإسلامية ص 157 للوكيل.
(4) الغزو الصليبي والعالم الإسلامي ص 110.