المقاتلة في ديار بكر لتحقيق انتصارات سريعة في شمال الشام، ولكن ظهور ابن أخيه بلك بن بهرام وتوليَّه قيادة حركة الجهاد ضد الغزاة؛ قطع الطريق على هؤلاء، وأنقذ حلب من خطر محقق، غير أن مقتل بلك بعد سنتين من توليه الحكم وانتقاله إمارته إلى ابن عمه حسام الدين تمرتاش الذي تميز بالضعف والانهزامية، فتح الطريق ثانية أمام الصليبيين لكي يشددوا النكير على حلب ويحققوا حلمهم بالسيطرة عليها، ويصف المؤرخ ابن العديم كيف تدهورت الأوضاع في حلب إثر تولَّي تمرتاش الحكم، ويقول: فأما تمرتاش فإنه لما ملك حلب، ألهاه الصبا واللعب عن التثمير والجد والنظر في أمور الملك، ففسدت الأحوال وضعف أمر المسلمين بذلك [1] . وقد بدأ تمرتاش ولايته بإطلاق سراح بلدوين الثاني ملك بيت المقدس الذي كان بلك قد أسره في إحدى معاركه ضد الغزاة، وذلك لقاء مبلغ تافه من المال، وقد أطلقه تمرتاش من معتقله وأحضره إلى مجلس؛ فأكلا وتشاربا وخلع عليه تمرتاش قباءً ملكيًا، وأعيد إليه الحصان الذي كان قد أخذه منه بلك يوم أسره [2] .
ولم يلبث تمرتاش - بعدها - أن انسحب إلى ولايته في ديار بكر لكي يتبع سياسة انعزالية فلا يرمي بسهم ضد الغزاة وبهذا اتيحت لهؤلاء الفرصة - كرة أخرى - لتضييق الخناق على حلب والسعي لتحقيق هدفهم الذي عجزوا عنه في السنين السابقة، وهكذا شهدت حلب في عام 518هـ حصارًا من أخطر ما تعرضت له في تاريخ الحروب الصليبية الطويل [3] .
بدأت المحاولة لإسقاط حلب بخيانة تقدم بها أحد الأمراء العرب: دبيس بن صدقة المزيدي أمير الحلة الواقعة جنوبي بغداد، والهارب من وجه الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية بسبب استفزازه المستمر لهما وتآمره عليهما، قال للصليبيين بأن له أنصارًا في حلب، وأنهم متى رأوه على رؤوس المهاجمين سلموا إليه البلد ومما قاله للصليبين: إن أهلها شيعة وهم يميلون إلىّ لأجل المذهب، فمتى رأوني سلموا البلد إليّ، وبذل لهم على مساعدته بذولًا كثيرة [4] ووعد بلدوين أمير إنطاكية وجوسلين أمير الرها بأنه سيقدم لهما الكثير لقاء مساعدتهما له، وقال لهما: إنني أكون في حلب نائبًا عنكم مطيعًا لكم [5] . وتمكن - أخيرًا - من التوصل مع الصليبيين إلى اتفاق تكون حلب بموجبه له، أما الأموال فتكون لهم، فضلًا
(1) زبدة حلب (2/ 220) .
(2) الاعتبار ص 103، 120 - 121.
(3) دراسات تاريخية د. عماد الدين خليل ص 14.
(4) الكامل في التاريخ (8/ 642) .
(5) ذيل تاريخ دمشق ص 212.