سابعًا: خراب عسقلان: بعد معركة أرسوف، توجه ريتشارد نحو يافا وأخذها دون مقاومة إذ لم يكن بها أحد من المسلمين ليدافعوا عنها، على حد قول ابن الأثير [1] وشرع في إعادة بناء استحكاماتها، أما صلاح الدين فتوجه نحو الرملة، وعقد فيها مجلس حربه، واستشارهم فيما يفعل، فأشار عليه الأمير علم الدين سليمان بن جندر، بإخلاء عسقلان ومن ثم تخريبها لأن هدف العدو، بعد عكا ويافا هو عسقلان ومن ثم القدس، ولأن يافا، التي نزل عليها ريتشارد تتوسط القدس وعسقلان ولا سبيل إلى حفظ المدينتين معا [2] وقد أعلن الأمراء الداعين إلى تخريب عسقلان أن الدفاع عن هذه المدينة يتطلب وجود حامية كبيرة فيها، تعدادها ثلاثون ألف مقاتل، أو عشرون ألفا [3] . وأعلنوا لصلاح الدين: قد رأيت ماكان منا بالأمس، وإذا جاء الفرنج إلى عسقلان، ووقفنا في وجوههم نصدهم عنها، فهم لاشك يقاتلوننا لننزاح عنها، فينزلوا عليها، فإذا كان ذلك عدنا إلى مثل ما كنا عليه على عكا، ويعظم الأمر علينا، لأن العدو قد قوي بأخذ عكا وما فيها من من الأسلحة وغيرها، وضعفنا نحن بما خرج عن أيدينا، ولم تطل المدة حتى نستنجد غيرها، فاعترض صلاح الدين هذا الرأي وطلب من بعض أمرائه الدخول إلى عسقلان، وتنظيم الدفاع عنها، فامتنعوا، بل إنهم ردوا عليه بخشونة غير مألوفة، اعتادوا عليها من الآن فصاعدًا، كما يظهر من رواية العماد وابن الأثير وقالوا: إن أردت حفظها فأدخل أنت معنا أو بعض أولادك الكبار، وإلا فما يدخلها منا أحد لئلا يصيبنا ما أصاب أهل عكا [4] ،ولم يستطع صلاح الدين إقناع الأمراء ولذلك حزن كثيرًا، وبات ليلة مهمومًا، يقول ابن شداد إنه: ما نام الليلة إلا قليلًا، ولقد دعاني إلى خدمته سحرًا، فحضرت وأحضر ولده الملك الأفضل وشاوره في الأمر. ثم قال: والله لأن أفقد أولادي كلهم أحب إليَّ من أن أهدم من عسقلان حجرًا واحدًا، ولكن إذا قضى الله بذلك وعينه لحفظ مصلحة المسلمين طريقًا فكيف أصنع [5] . واضطر أخيرًا إلى الإنصياع إلى قرار أمرائه، ووافق على تخريبها، فأمر والي المدينة بأن يتولى ذلك بنفسه، فوضع الوالي المعول عليها فجر 19شعبان 587هـ/12أيلول 1191م، ثم استنفر الناس، وقسم سور المدينة عليهم،
(1) الجيش الأيوبي ص 476 نقلًا عن الكامل في التاريخ.
(2) المصدر نفسه ص 477.
(3) كتاب الروضتين نقلأ عن الجيش الأيوبي ص 477.
(4) الجيش الأيوبي ص 478 ..
(5) المصدر نفسه ص 478.