-كانت الإسكندرية في مطلع القرن السادس الهجري ملتقى كثير من علماء الشام الذين كانت بلادهم مسرحًا للحروب الصليبية، والتي سقط بعض مدنها في أيدي الصليبيين كالقدس والرملة وكثير من مدن الساحل الفلسطيني [1] مما اضطر أولئك العلماء إلى هجرتها والنزوح عنها.
-نزوح عدد كبير من علماء صقلية المسلمين إلى الإسكندرية بعد أن احتل النورمان جزيرتهم في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري ونزوح عدد آخر من علماء الأندلس على أثر الهزات السياسية المتلاحقة التي أصيب بها بعض المدن الأندلسية مما دفع الكثيرين من العلماء إلى الهجرة وطلب الأمن كما فعل الفقيه المالكي المشهور أبو بكر الطرطوشي وغيره.
-تمتع أهل الإسكندرية بحرية الاعتقاد الديني - إذا قورنوا بأهل القاهرة - رغم انطوائهم رسميًا تحت نفوذ الخلافة الفاطمية الشيعية، فقد كانوا سنيين على مذهب الإمام مالك، وهذه الحرية النسبية جعلت الوافدين إلى مصر يتوجهون إلى الإسكندرية - بدلًا من القاهرة - للإقامة فيها بعيدين عن ضغوط المذهب الفاطمي الشيعي الذي يتنافى مع اعتقادهم السني هذه الأسباب وغيرها رغبت الحافظ السَّلفي في البداية أن يقيم في الإسكندرية، ثم ما لبث أن رسخت فيها قدمه، وتقدمت به سنة، وأخيرًا تزوج - وقد قارب الستين عامًا - من"ست الأهل"الإسكندرانية، فثقل بذلك حمله، ثم ألقى عصا الترحال بعد ذلك نهائيًا عندما بنى له والي الإسكندرية العادل ابن السلار"مدرسته العادلية"وعهد إليه بالإشراف عليها والتدريس فيها، فاستقر به المقام وطاب له الحال، ولم يبرح تلك المدينة التي أحبها إلى أن توفاه الله تعالى [2] .
2 -نشاطه العلمي ومدرسته: بدأ الحافظ السَّلفي تدريسه للحديث منذ وصل إليها سنة 511هـ حتى إذا ما توفي - محدث الإسكندرية آنذاك - الشيخ أبو عبد الله الرازي المعروف بابن الخطاب سنة 525هـ، جلس مكانه وأصبح بذلك شيخ الإسكندرية ومحدثها المتفرد دون منازع ثم أخذت شهرته وسمعته تتزايد يومًا بعد يوم، وراح حجاج الأندلس يتناقلون أخباره في كل مكان نزلوا به، فتسامع به طلاب الحديث في مصر وخارجها، فشدوا إليه الرحال، وتوافدوا على الإسكندرية
(1) المصدر نفسه ص 100.
(2) الحافظ أبو الطاهر السلفي ص 101.