وقال الحكيم: يجب على الملك الفاضل أن يحصّن عقله من العجب، ووقاره من الكبر، وعطاءه من السّرف، وصرامته من العنف، وحياءه من البلادة، وحمله من التّهاون، وإمضاءه من العجلة، وعقوبته من الإفراط، وعفوه من تعطيل الحقوق، وصمته من العيّ، واستئناسه من البذآء، وخلواته من الإصاعة، وعزماته من اللّجاجة، وأناته من الملالة، وفرحاته من البطر، وروعاته من الاستسلام.
وقالت حكماء الهند: الملك إذا لم يقبل من نصحائه ما يقبل عليه مما ينصحون [1] له به: لم يحمد غبّ أمره، كالعليل الذى يدع ما يصف له الطبيب ويعود إلى استعمال ما يشتهي، فمن التمس الرّخصة من الإخوان عند المشاورة، ومن الأطباء، عند المرض، ومن الفقهاء عند الشّبهة: أخطأ الرأي، وازداد مرضا، واحتمل وزرا.
وقالت حكماء الهند: الملوك ثلاثة: حازمان وعاجز. فأحد الحازمين: من إذا نزل به الأمر المخوف لم يدهش، ولم يذهب قلبه شعاعا [2] ، ولم يعي برأيه وحيلته ومكيدته التي بها يرجو النجاة. والثاني وهو أحزم من هذا:
ذو العدّة [3] الذي يعرف الأمر متقدما قبل وقوعه فيعظمه إعظامه [4] به، ويحتال له حيلته، كأنه رأي عين، فيحسم الدآء قبل أن يبتلى [5] به، ويدفع الأمر قبل وقوعه. وأما العاجز: فهو الذي لا يزال في التردّد والتمني حتى يهلك نفسه.
وقالت الحكماء: الطّمأنينة مقرونة بالمضّار، والحذر مقرون بالنجاة.
ومن ضيّع الحزم وهو غنيّ عنه ضيّعه الحزم حين يفتقر إليه.
وقالوا: من أخذ بالحزم وقدّم الحذر وجاءت المقادير بخلاف مراده: كان أحمد رأيا وأظهر عذرا ممّن عمل بالتفريط، وإن اتّفقت له الأمور على ما يريد.
(1) فى الأصل «ينتصحون» وهو خطأ، لأن قولهم: «انتصح فلان» مطاوع «نصح» أى:
قبل النصيحة، وقولهم: «انتصحت فلانا» معناه: اتخذته لي نصيحا. ومنه قولهم: «لا أريد منك نصحا ولا انتصاحا» أى لا أريد منك أن تنصحنى ولا أن تتخذنى نصيحا. قاله في اللسان.
(2) بفتح الشين المعجمة أى: انتشر رأيه فلم يتجه لأمر جزم. وضبط في الأصل بضم الشين، وهو خطأ
(3) بضم العين المهملة وتشديد الدال المهملة المفتوحة. وضبط في الأصل بكسر العين وفتح الدال، وهو خطأ
(4) ضبط في الأصل بضم الميم، وهو خطأ
(5) رسم في الأصل «ببتلا» بالألف.