وإن مشيت وفى كفّي العصا ثقلت ... رجلي كأنّي أخوض الوحل في الجلد
فقل لمن يتمنّى طول مدّته ... هذى عواقب طول العمر والمدد»
(الاعتبار ص 164163) [1]
ولم يكتف أبوه بتربيته الحربية، بل كان يحضر له الشيوخ الكبار ليعلموه هو وإخوته، فسمع الحديث من الشيخ الصالح أبى الحسن علي بن سالم السنبسي في سنة 499كما في تاريخ الاسلام للذهبى [2] ، وقد روى عنه حديثا في أول (لباب الآداب ص 1) . وكان يؤدبه الشيخ العالم أبو عبد الله محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة المتوفى سنة 503 [3] وقرأ علم النحو قريبا من عشر سنين على الشيخ العالم أبى عبد الله الطّليطلي النحوي، وكان في النحو سيبويه زمانه. [4]
والتوسع في علم النحو هذه السنين الطويلة يستدعي كثرة الاطلاع على الشعر القديم، وعلى غريب القرآن وتفسيره، وعلى علوم البلاغة وما يتبعها. وكان الأمراء بنو منقذ ممن يقصدهم الأدباء والشعراء، يمدحونهم ويسترفدونهم، وكانوا هم أيضا علماء شعراء، فاقتبس أسامة من هذا المجتمع الأدبي الذي نشأ فيه أدبا جمّا، وعلما واسعا، وحفظ كثيرا من الشعر القديم، فقد نقل الحافظ الذهبى في تاريخ الاسلام عن الحافظ أبي سعد السمعاني قال: «قال لى أبو المظفر يعنى أسامة أحفظ أكثر من عشرين ألف بيت من شعر الجاهلية» [5] . وصار
(1) الأبيات أيضا في الروضتين (1: 114)
(2) مخطوط بدار الكتب المصرية
(3) الاعتبار (ص 85) ولباب الآداب (ص 101و 190)
(4) الاعتبار (ص 208)
(5) ينشر الأستاذ (فيليب حتى) سحابة من الشك على هذه الرواية في ترجمته للمؤلف، ويقول «الراجح أنه لم يتصل بجيل أسامة هذا المقدار من الأبيات» وأظنه لو اطلع اطلاعا واسعا على ما بين أيدينا الآن من الشعر المنسوب لشعراء الجاهلية، ونظر إلى ما فقد من كتب الاسلام، وآثار العلماء والحفاظ، في الحروب الصليبية، وفى هجوم التتر على البلاد الاسلامية، ثم في الفتن والأحداث، ثم ما أخذته أوروبا من الكتب بعد أن خرجت باحتكاكها بالمسلمين من ظلمات لجهالة إلى نور العلم إما بالشراء وإما اختلاسا وانتهابا: لو نظر إلى هذا كله لم يكن لديه أي شك في أن الشعر الجاهلي كان أكثر مما حفظ أسامة.