فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 498

«نقف الآن عند هذا الحدّ، وفى النوادر التى نقلناها أمور كثيرة حرية بالنظر. من ذلك ذكره كلمة الافرنج بهذا اللفظ الشائع الآن في مصر والشأم، فاستعمالها كذلك قديم، ولا داعى للعدول عنه إلى كلمة فرنج أو فرنجة. ولم نر فيما لدينا من التواريخ إشارة إلى قصة بغدوين ملك القدس وجوسلين صاحب تل باشر، لكن أبا الفرج قال في تاريخه إن بغدوين مات في القدس ووصى ببلاده للقمص صاحب الرها، وهو الذى أسره جكرميش وأطلقه سقاوو جاولى. وعليه فاسم الموصول راجع إلى بغدوين لا إلى القمص، إذا كان مراد أبى الفرج الاشارة إلى أسر بغدوين مع جوسلين واطلاق جاولى سقاوى لهما. وجاء في تاريخ الصليبيين للسر جورج كوكس أن جوسلين أعان بلدوين البرجى حتى خلف الملك بلدوين الثانى، فجعله بلدوين البرجي أميرا على الرها. لكن جوسلين هذا أسر أخيرا سنة 546ومات أسيرا، فهل هو جوسلين عينه الذى أسر أو لا سنة 490؟. أو إن أسامة لم يكن يدقق في ذكر السنين، كما يظهر مما نقلناه عنه في الجزء الماضى، حيث

قال: إنه كان في مصر سنة 547فى عهد الملك العادل، مع أن الملك العادل خلف الملك الصالح سنة 655.

وكيفما كانت الحال فالقصة محتملة الصدق، ولا بد من أنها كانت تروى في عهده حتى تمثل بها. وهى تماثل ما يروى عن أخلاق فرسان الصليبيين وشهامتهم وحفظهم للذمام، وما كان جاريا في ذلك العهد من استعانة أمراء المسلمين بأمراء الصليبيين، وأمراء الصليبيين بأمراء المسلمين.

ومنها اهتمام أمراء المسلمين بتعليم أولادهم، فقد كان أبو أسامة مستخذما شيخا من كبار العلماء لتعليم أولاده، وظهرت نتيجة تعليمه في تفوق أسامة في الانشاء، نثرا ونظما.

ومنها أن ذلك الزمان كان زمان حروب متتابعة، ولذلك كانوا يضطرون أن يقيموا في الحصون ويصعدوا إليها بالحبال.

ومنها أن الاسود كانت لا تزال كثيرة في بلاد الشام، أو في أطرافها، فذكر هذا الاسد من غير استغراب، وقد انقرضت الأسود منها الآن

وواضح مما ذكره هنا أنه ألف كتاب (لباب الآداب) وعمره أكثر من تسعين سنة [1] ، فهو ثمرة يانعة من ثمار عقله، بعد أن حنكته التجارب، وراضته الايام.

وفى الكتاب أدلة على أن الكاتب بيّض مسودات كانت عند أسامة وخطها غير جلىّ، لانه ترك بعض الأعلام الأعجمية ثم كتبها بقلم آخر وهو يقرأ الكتاب على المؤلف، أو أخطأ في كتابتها ثم أصلحها لما قرأ الكتاب. أما دعاء أسامة على الافرنج بقوله: خذلهم الله (ص 132) فأقل مما كان يستعمله غيره من كتاب عصره». اه كلام العلامة الدكتور يعقوب صروف.

(1) صرح المؤلف في آخر الكتاب (ص 467) أنه ألّفه وهو ابن احدى وتسعين سنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت