آنسوك حمدت الوحشة. وإن جالسوك وددت الوحدة. بينا أنت في خلواتك وانفرادك. مكبّا على أحزابك (1) وأورادك. مردّدا فكرك كما يجب فيه ترديده. مجدّدا ذكر الله الذي لا ينبغي (2) إلّا تجديده. مشتغلا بخويصة (3) نفسك وما يعنيك. عاكفا على ما يدعوك إلى الخير ويدنيك. ويلفتك عن الشر ويثنيك. إذ فوجئت بمثافنة (4) بعضهم. من الذين أخذك الله (5) ببغضهم. فضرب بينك وبين ما كنت وقانا الله شره قد بلوا به من بين طبقات الناس لما فسد من نياتهم وأنهم لم يتفقهوا إلا لضدّ ما وضع الله له التفقه وأمر به من الاقتداء بالانبياء في عقد الهمة بالإنذار والتحذير بل للحظوظ الخسيسة فلذلك لم يكن مهمهم إلا التكالب عليها والتصافع على نيلها.
(1) الحزب: الورد. يقال: قرأت حزبي من القرآن.
(2) ينبغي مطاوع يبغي كأنه ينطلب ولم يرد ماضيه مستعملا إلا في موضع واحد من كتاب سيبويه.
(3) خويصة نفسك: حويلتها الخاصة. بسكون الياء كأصيم ودويبة. وهذا من التقاء الساكنين على حده. وهو أن يكون الأول حرف لين والثاني حرفا مدغما.
(4) المثافنة: المجالسة. وقال اللحياني: ثافنه: لازمه ولم يبارحه وهي مفاعلة من الثفنة وثفنات البعير. وما في قول العجاج:
«خوّ على مستويات خمس ... كركرة وثفنات ملس» .
(5) أخذك الله ببغضهم: كلفك بغضهم وألزمكه. ومنه قوله عزّ وجل: { (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) } [1] أي كلفته عزته أن يأثم برد قول آمره بالتقوى أو بالوثوب عليه أو بالزيادة في فساده.
(1) سورة البقرة، الآية 206.