إن العجلة في العلم، مع سقوط الهمم، وقلة الجلد، وعدم الصبر على التلقي، مع تحكم شهوة طلب الإمامة وحب الرئاسة العلمية الذي تحكم في القلوب، وما في ذلك من فساد المقصد، كل ذلك وفي ظل أصحاب ذلك المسلك العجيب من المعلمين الذي وصفناه بالدعوة إلى الاجتهاد (الجفلى) والذي لا يتاح للمتعلم في ظله تعلم العلم ولا تعلم الأدب كل ذلك أدى إلى هذه الفوضى العلمية وهذا الهزال العلمي الذي عمت البلوى به اليوم.
كنا مع أحد شيوخنا جلوسًا في الصحراء قريبًا من طريق المسافر إلى الرياض، وحضرت صلاة المغرب فقمنا نصلي بعد أن أذن أحدنا، ومرت (سيارة) بها مسافرون، فلما أبصروا جماعة الصلاة أوقفوا ركبهم وانضموا إلى الصلاة، وبعد فراغنا من الصلاة قال أحدهم موجهًا كلامه إلى شيخنا المذكور:
ــ أفتني يا مُطوع أنا سائق السيارة (التاكسي) وأنا مستوطن بالمدينة وأهلي بها، وأنا دائمًا مسافر بينها وبين الرياض لا أستقر بحكم عملي ومهنتي يومًا كاملًا في بلد، ورمضان على الأبواب، فهل أصوم وأنا مسافر؟.
وقبل أن يتنفس الشيخ، تعجل واحد منا - وهو مثلنا من تلاميذه - فأفتى السائل بما يأتى:
الأفضل أن تفطر أخذًا بالرخصة، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:» ليس من البر الصيام في السفر «، فتفطر وتقضي بعد رمضان.
-قال السائل: لكنني مسافر دائمًا، ويثقل على حبس نفسي شهرًا كاملًا للقضاء.
-المفتى المتعجل: هذا هو حكم الشرع، الأفضل أن تفطر ثم تحبس نفسك بعد رمضان شهرًا للقضاء. والتفت السائل إلى شيخنا الذي كان يتفرج على تلميذه حانقًا، وقال: أنت يا شيخ ماذا تقول أفتني؟
قال له الشيخ: تصوم رمضان في وقته لابأس بذلك، لأنك في حكم المقيم.
وفرح السائل بعد أن سمع هذه الفتوى، وظهر الارتياح على وجهه وقام منصرفًا وهو يدعو للشيخ كأنما وهبه الشيخ مالًا.
وجادل التلميذ المتعجل شيخه بعد انصراف الركب، فقال الشيخ: مادمت ستلزمه بالإقامة شهرًا للقضاء فلم لا يكون هذا الشهر هو رمضان ويصومه أداء لا قضاء، ثم ما الداعي لإلزامه بالإقامة وحبسه عن طلب الرزق، وليس في صيام المسافر لو صام حرج، فكيف وهذا حاله أشبه حال المقيم من جهة أن هذا دأبه دائمًا وعادته، هو ليس شيئًا طارئًا عليه.
بل شاهدت مثلًا آخر أعجب من هذا، كان ممن فرخهم هذا المسلك الذي وصفت آنفًا: رجل من العوام، كان يعمل بوابًا على باب (كلية الشريعة) بالمدينة النبوية، التي درسنا بها أيام الصبا والشباب، وكان هذا البواب رجلًا صالحًا محبًا لحلقات العلم مداومًا على مجالسة المشايخ، ولكن دون أن يتفقه، وإنما هو مستمع فقط.
وكان مما سمعه من بعض المشايخ أهل ذلك المسلك العجيب أن على كل مسلم أن يجتهد على قدر طاقته في تبليغ العلم، وأن الشروط التي اشترطها الفقهاء ما أنزل الله بها من سلطان، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال:» بلغوا عني ولو آية «، وفهم صاحبنا من هذا الكلام أن هناك تفويضًا شرعيًا لمثله أن يفتي حسب علمه وطاقته، فجلس بين العوام يُذكِّر ويفتي.
إذا وعظهم ربما أفادهم، لكنه حين يفتي كان يأتي بالعظائم، وسمعت بذلك فأنكرته في نفسي، فكنت إذا رأيته على باب (كليتنا) أداعبه ببعض غوامض المسائل، ثم أقول له: يا أبا فلان إياك أن تفتي فتهلك الناس، فالعلم كما ترى يحتاج إلى التعلم أولًا.
وحضرت يومًا مع صديق لي من طلاب العلم عشاءً في بيت من بيوت البدو القاطنين في شرق المدينة النبوية، وكانت جلسة بدوية، في فناء واسع مكشوف، وفي ظلمة الليل البهيم، لا يهتك ستر ذلك الظلام إلا خيوط من ضوء الحطب الذي كان يشتعل وسط حلقة الضيوف، وعلى جوانبه أدوات (القهوة) ، لكن تلك الأشعة الضئيلة المنبعثة على استحياء من شعلة النار المتصاعدة من حول (دلال القهوة) لم تكن كافية لأن نتبين الجالسين ونحن نأخذ مجلسنا بينهم، إلا أن صوت المتكلم الذي كانوا جميعًا يصغون إليه وهو يفتيهم ويجيب على أسئلتهم كان يشبه صوت بواب (كلية الشريعة) ... عجبًا أبو فلان لا يزال يفتي الناس؟!.
قال له سائل بدوي:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)