لا ريب أن الغيرة تستلزم المنع والزجر مما يغار منه وكذلك الغضب والبغض ونحو ذلك من الصفات، كما أن الحب والرضا يتضمن اقتضاء المحبوب المرضي وطلبه والأمر به. لكن كون الصفة تستلزم فعلا من الأفعال، أو كون اللفظ يتضمن ذلك لا يقتضي أن يكون الثابت مجرد اللازم دون الملزوم.
ولهذا تجد كل شيء من فروع هذه المقالة [الجهمية] متى قسته وطردته استلزم: عدم الصانع، أو التناقض بالجمع بين الإثبات والنفي في الشيء الواحد، أو نفي الإيجاب والامتناع في المتماثلين، وإلا فما من شيء يقرون به إلا لزمهم فيه نظير ما أنكروه فيما نفوه.
وإذا فسرته بمجرد اللفظ فلا بد من إثبات معنى يكون معنى اللفظ، وإلا فاللفظ بلا معنى هذيان .... وإذا لزم من نفي الغيرة إثباتها علم أن نفيها محال.
فلا يقال: هذا أجسم من هذا ويكون المراد بهما كثافة أحدهما وكبر قدر الآخر، بل يكون اللفظ دالا على المعنيين بالتواطؤ.
فلو لم يكن لقوله (إن الله يغار) معنى، إلا أنه ينهى ويزجر؛ كان قد عرفهم / بالأمر الواضح الجلي الذي يعلمونه بلفظ مشكل فيه تلبيس عليهم. وهذا لا يفعله إلا من يكون من أجهل الناس وأظلمهم. ولا ينسب هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا منافق زنديق، أو من يكون عظيم الجهل لا يدري لوازم قوله.
اعلم أن كلامه في هذا الفصل وإن كان فيه من لبس الحق بالباطل ما فيه، فهو أقرب ما ذكره، وذلك أنه جعل المراد بالنفس هو الذات، وهذا هو الصواب. فإن طائفة من متأخري أهل الإثبات جعلوا النفس في هذه النصوص صفة لله زائدة على ذاته، لما سمعوا إدخال المتقدمين لها في ذكر الصفات، ولم يكن مقصود المتقدمين ذلك، وإنما قصدهم الرد على من ينكر ذلك من الجهمية، وزعموا أن ذلك هو ظاهر النصوص، وليس الأمر كذلك، وقد صرح أئمة السنة بأن المراد بالنفس هو الذات، وكلامهم كله على ذلك كما في كلام الإمام أحمد فيما خرجه من الرد على الجهمية.
[عثمان الدارمي] ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال، تنفون بها عن الله حقائق الصفات، بعلل المجازات، غير أنا نقول: لا نحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، لكن تصرف معانيها إلى الأغلب من كلام العرب حتى يأتوا ببرهان، أنه عني بها الأغرب، وهذا هو / المذهب الذي هو إلى الإنصاف والعدل أقرب لأن الله تعالى قال: {وهذا لسان عربي مبين} فأثبته عند العلماء أعمه، وأشد [كذا والصواب أشده] استفاضة عند العرب، فمن أدخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فهو يريد أن يتبع فيها غير سبيل المؤمنين.
كما يذكر عن ثمامة بن أشرس النميري أحد أكابر المتكلمين أنه قال: ثلاثة من / الأنبياء مشبهة، موسى حيث قال: {إن هي إلا فتنتك} وعيسى حيث قال: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} ومحمد حيث قال: (ينزل ربنا كل ليلة)
[المحقق: لم أقف على كلامه هذا]
ولم يجئ فيهما ذكر لفظ حقيقته ونحو ذلك في أسماء الله، ولا لفظ ذات في الأحاديث الثابتة
أما قول من جعلها [الذات] صفة فالنزاع معه لفظي، فإنا لا ننازعه أن هذا الاسم يستلزم ثبوت صفة زائدة على مسمى الذات كالحياة والفعل ولكن المسمى هو الذات الموصوفة بذلك لا نفس الصفة.
فأما جعل لفظ النفس اسما لنفس الصفة فيقال: هذا قول بلا دليل أصلا؛ لأنه ليس ظاهر الخطاب، فضلا عن أن يكون نصه مقتضيا أنها صفة، ليست هي الله، ومن زعم أن هذا ظاهر النصوص فهو مبطل في ذلك، كما أن من زعم أن ظاهرها يجب تأويله فهو مبطل في ذلك، وقد قدمنا أن كثيرا من الناس يغلطون في دعواهم على النصوص أن ظاهرها / كذا، سواء أقروه أو صرفوه، فإنه لا يكون ذلك ظاهر النص، وكل من سمع هذا الخطاب ابتداء، فإنه يفهم منه ابتداء أنه هو نفسه لا أنها صفة له.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)