ولولا ضيق المجال لسردت قائمة متوازية أذكر فيها كبار الأشاعرة ومن عاصرهم من كبار أهل السنة والجماعة الذين يفوقون أولئك عددًا وعلمًا وفضلًا.
وحسبك ما جمعه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية والذهبي في العلو وقبلهما اللالكائي.
(1) ومنها شرح الباجوري أو البيجوري على الجوهرة (1/ 82) طبعة محمد علي صبيح.
(2) انظر الاستقامة: (105) ، وتبيين كذب المفتري لابن عساكر: (410) بتحقيق الكوثري.
أما عوام المسلمين فالأصل فيهم أنهم على عقيدة السلف؛ لأنها الفطرة التي يولد عليها الإنسان وينشأ عليها المسلم بلا تلقين ولا تعليم [من حيث الأصل] فكل من لم يلقنه المبتدعة بدعتهم ويدرسوه كتبهم فليس من حق أي فرقة أن تدعيه إلا أهل السنة والجماعة.
ومن الأدلة على ذلك الإنسان الذي يدخل في الإسلام حديثًا , فهل تستطيع أي فرقة أن تقول: إنه معتزلي أو أشعري؟
أما نحن فبمجرد إسلامه يصبح واحدًا منا.
وإن شئت المثال على عقيدة العوام فاسأل الملايين من المسلمين شرقًا وغربًا هل فيهم من يعتقد أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته كما تقول الأشاعرة؟!
أم أنهم كلهم مفطورون على أنه تعالى فوق المخلوقات، وهذه الفطرة تظل ثابتة في قلوبهم حتى وإن وجدوا من يلقنهم في أذهانهم تلك المقولة الموروثة عن فلاسفة اليونان (1) .
وقس على هذا نظرية الكسب، والكلام النفسي، ونفي التأثير، وأشباهها مما سترى في عقائد الأشاعرة.
تحقيق نسبة ابن حجر وأمثاله لمذهب الأشاعرة:
على أن الموضوع الذي يجب التنبيه إليه هو التفريق بين متكلمي الأشاعرة، كالرازي والآمدي والشهرستاني والبغدادي والإيجي ونحوهم، وبين من تأثر بمذهبهم عن حسن نية واجتهاد، أو متابعة خاطئة، أو جهل بعلم الكلام، أو لاعتقاده أنه لا تعارض بين ما أخذ منهم وبين النصوص.
ومن هذا القسم أكثر الأفاضل الذين يحتج بذكرهم الصابوني وغيره وعلى رأسهم الحافظ ابن حجر -رحمه الله-.
(1) بل إن متكلمي الأشاعرة الذين ينفون العلو بكل جرأة ويستندون إلى شبهات كثيرة، تجد في خبايا كلامهم إقرارًا به دون أن يشعروا. لأن مغالبة الفطرة من أصعب الأمور. فالرازي مثلًا-مع إنكاره الشديد للعلو في (التأسيس والتفسير) قال في التفسير: (إن الله خسف بقارون فجعل الأرض فوقه ورفع محمدًا صلى الله عليه وسلم فجعله قاب قوسين تحته) (1/ 248) .ط. بيروت.
ولست أشك أن الموضوع يحتاج لبسط وإيضاح، ومع هذا فإنني أقدم للقراء لمحة موجزة عن موقف ابن حجر من الأشاعرة:
من المعلوم أن إمام الأشعرية المتأخر الذي ضبط المذهب وقعد أصوله هو الفخر الرازي [606 هـ] ثم خلفه الآمدي [631هـ] والأرموي [655هـ] فنشرا فكره في الشام ومصر واستوفيا بعض القضايا في المذهب.
ونَقْدُ فكر هؤلاء الثلاثة هو الموضوع الرئيسي في كتاب درء التعارض لشَيْخ الإِسْلامِ.
وأعقبهم الإيجي صاحب المواقف - الذي كان معاصرًا لشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية - فألف"المواقف"الذي هو تقنين وتنظيم لفكر الرازي ومدرسته، وهذا الكتاب هو عمدة المذهب قديمًا وحديثًا.
وقد ترجم الحافظ الذهبي رحمه الله في الميزان وغيره للرازي والآمدي بما هم أهله، ثم جاء ابن السبكي -ذلك الأشعري المتعصب- فتعقبه وعنف عليه ظلمًا.
ثم جاء ابن حجر رحمه الله فألف لسان الميزان فترجم لهما بطبيعة الحال - ناقلًا كلام ابن السبكي ونقده للذهبي (1) ولم يكن يخفى عليه مكانتهما وإمامتهما في المذهب كما ذكر طرفًا من شنائع الأرموي ضمن ترجمة الرازي.
فماذا كان موقف ابن حجر؛ لأن موقفه هو الذي يحدد انتماءه لفكر هؤلاء القوم أو عدمه؟
إن الذي يقرأ ترجمتيهما في اللسان لا يمكن أن يقول: إن ابن حجر على مذهبهما أبدًا، كيف وقد أورد نقولًا كثيرة موثقة عن ضلالهما وشنائعهما التي لا يقرها أي مسلم فضلًا عمن هو في علم الحافظ وفضله.
على أنه قال في آخر ترجمة الرازي"أوصى بوصية تدل على أنه حسن اعتقاده".
وهذ العبارة التي قد يفهم منها أنها متعاطفة مع الرازي ضد مهاجميه هي شاهد لما نقول نحن هنا، فإن وصية الرازي التي نقلها ابن السبكي نفسه صريحة في رجوعه إلى مذهب السلف.
فبعد هذا نسأل:
أكان ابن حجر يعتقد أو يؤيد عقيدة الرازي التي في كتبه، أم عقيدته التي في وصيته؟
الإجابة واضحة من عبارته نفسها. هذه واحدة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)