والتبصرة، حتى لو وافق قول الأشعري وجهًا لأصحابنا ميَّزَه وقال:"هو قول بعض أصحابنا وبه قالت الأشعرية ولم يعدهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه فضلًا عن أصول الدين" (1) .
وبنحو قوله بل أشد منه قال شَيْخ الإِسْلامِ الهروي الأنصاري (2) .
[3] الحنفية:
(1) توفي ابن سريج سنة (306) : انظر تاريخ بغداد (4/ 290) وسير أعلام النبلاء (14/ 201) والظاهر أنه توفي قبل رجوع الأشعري لمذهب السلف، والأشعري توفي سنة (324) أو (330) على قولين. وانظر عقيدة ابن سريج في اجتماع الجيوش الإسلامية (62) .
(2) يلاحظ أن كلًا من الشافعية والحنابلة يدعي الهروي لمذهبهم، ورجح شيخ الإسلام أنه يأخذ من كليهما ويتبع الأثر. انظر (شيخ الإسلام عبد الله الهروي ص:96) ، وقوله فيهم نقله في التسعينية: (277) عن كتاب"ذم الكلام"وهو يحقق بجامعة الإمام كما قرأت. وانظر أيضًا عن موقف الشافعية درء التعارض (2/ 106) .
معلوم أن واضع الطحاوية وشارحها كليهما حنفيان، وكان الإمام الطحاوي معاصرًا للأشعري، وكتب هذه العقيدة لبيان معتقد الإمام أبي حنيفة وأصحابه وهي مشابهة لما في الفقه الأكبر عنه، وقد نقلوا عن الإمام أنه صرح بكفر من قال: إن الله ليس على العرش أو توقف فيه، وتلميذه أبو يوسف كفر بشرًا المريسي، ومعلوم أن الأشاعرة ينفون العلو وينكرون كونه تعالى على العرش ومعلوم أيضًا أن أصولهم مستمدة من بشر المريسي (1) .
[4] الحنابلة:
موقف الحنابلة من الأشاعرة أشهر من أن يذكر، فمنذ بدَّع الإمام أحمد"ابن كلاب"وأمر بهجره- وهو المؤسس الحقيقي للمذهب الأشعري -لم يزل الحنابلة معهم في معركة طويلة، وحتى في أيام دولة نظام الملك - التي استطالوا فيها - وبعدها كان الحنابلة يخرجون من بغداد كل واعظ يخلط قصصه بشيء من مذهب الأشاعرة، ولم يكن ابن القشيري إلا واحدًا ممن تعرض لذلك، وبسبب انتشار مذهبهم وإجماع علماء الدولة لا سيما الحنابلة على محاربته أصدر الخليفة القادر منشور"الاعتقاد القادري"أوضح فيه العقيدة الواجب على الأمة اعتقادها سنة (433هـ) (2) .
هذا وليس ذم الأشاعرة وتبديعهم خاصًا بأئمة المذاهب المعتبرين بل هو منقول أيضًا عن أئمة السلوك الذين كانوا أقرب إلى السنة واتباع السلف، فقد نقل شَيْخ الإِسْلامِ في الاستقامة كثيرًا من أقوالهم في ذلك وأنهم يعتبرون عقيدة الأشعرية منافيًا لسلوك طريق الولاية والاستقامة حتى أن عبد القادر الجيلاني لما سئل: هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ قال:"ما كان ولا يكون" (3) .
(1) انظر غير ما ذكر سير أعلام النبلاء ترجمة بشر (10/ 200 - 201) والحموية: (14 - 15) طبعة قصى الخطيب.
(2) انظر المنتظم لابن الجوزي أحداث سنة (433، 469، 475) وغيرها (ج:8 وج:9) .
(3) الاستقامة: (81 - 89، 105 - 109) .
فهذا موجز مختصر جدًا لحكم الأشاعرة في المذاهب الأربعة، فما ظنك بحكم رجال الجرح والتعديل ممن يعلم أن مذهب الأشاعرة هو رد خبر الآحاد جملة، وأن في الصحيحين أحاديث موضوعة أدخلها الزنادقة .. وغيرها من الطوام!!
وانظر إن شئت ترجمة إمامهم المتأخر الفخر الرازي في الميزان ولسان الميزان.
فالحكم الصحيح في الأشاعرة أنهم من أهل القبلة ولاشك في ذلك، أما أنهم من أهل السنة فلا، وسيأتي تفصيل ذلك في الموضوعات التالية.
وهاهنا حقيقة كبرى أثبتها علماء الأشعرية الكبار بأنفسهم -كالجويني وابنه أبي المعالي والرازي والغزالي وغيرهم- وهي حقيقة إعلان حيرتهم وتوبتهم ورجوعهم إلى مذهب السلف، وكتب الأشعرية المتعصبة مثل طبقات الشافعية أوردت ذلك في تراجمهم أو بعضه فما دلالة ذلك؟
إذا كانوا من أصلهم على عقيدة أهل السنة والجماعة فعن أي شيء رجعوا؟ ولماذا رجعوا؟ وإلى أي عقيدة رجعوا؟
إثبات أن عوام المسلمين على مذهب أهل السنة:
رابعًا: دعوى الأشاعرة أن أكثر أئمة المسلمين على مذهبهم دعوى عارية عن الدليل يكذبها الواقع التاريخي، وكتب الأشاعرة نفسها عند تعريف مذهبي السلف والخلف تقول: إن مذهب السلف هو مذهب القرون الثلاثة وبعضها يقول: إنه مذهب القرون الخمسة (1) فماذا بقي بعد هذه القرون؟
وصدقوا، فالثابت تاريخيًا أن مذهب الأشاعرة لم ينتشر إلا في القرن الخامس إثر انتشار كتب الباقلاني (2) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)