مصطلح أهل السنة والجماعة يطلق ويراد به معنيان:
[أ] المعنى الأعم: وهو ما يقابل الشيعة، فيقال: المنتسبون للإسلام قسمان: أهل السنة والشيعة، مثلما عَنْوَنَ شَيْخ الإِسْلامِ كتابه في الرد على الرافضي"منهاج السنة"، وفيه بيَّن هذين المعنيين (2) ، وصرح أن ما ذهبت إليه الطوائف المبتدعة [هي] من أهل السنة بالمعنى [الأعم] .
(1) وانظر عن القدامى: الرد الوافر على من زعم أن ابن تيمية شيخ الإسلام كافر، وكتاب الحصني دفع شبهة من تشبه وتمرد. وللعلم فبعض هذه الكتب المعاصرة باسم مستعار، وممن اعترف بموقفهم من شيخ الإسلام الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه ابن تيمية (ص:56) ، ومن ذلك قول صاحب حواشي على شرح الكبرى لالسنوسي قوله:"ابن تيمية. أي الحنبلي المشهور زنديق وبغضه للدين وأهله لا يخفى" (ص:62) . وانظر في كتاب وهبي غاوجي أركان الإيمان (ص:297 - 299) .
(2) ج:2 ص:221) تحقيق محمد رشاد سالم.
وهذا المعنى يدخل فيه كل من سوى الشيعة كالأشاعرة، لاسيما والأشاعرة فيما يتعلق بموضوع الصحابة والخلفاء متفقون مع أهل السنة، وهي نقطة الاتفاق المنهجية الوحيدة كما سيأتي.
[ب] المعنى الأخص: وهو ما يقابل المبتدعة وأهل الأهواء وهو الأكثر استعمالًا وعليه كتب الجرح والتعديل، فإذا قالوا عن الرجل: إنه صاحب سنة أو كان سنيًا أو من أهل السنة ونحوها، فالمراد أنه ليس من إحدى الطوائف البدعية كالخوارج والمعتزلة والشيعة، وليس صاحب كلام وهوى.
وهذا المعنى لا يدخل فيه الأشاعرة أبدًا؛ بل هم خارجون عنه وقد نص الإمام أحمد وابن المديني على أن من خاض في شيء من علم الكلام لا يعتبر من أهل السنة وإن أصاب بكلامه السنة حتى يدع الجدل ويسلم للنصوص، فلم يشترطوا موافقة السنة فحسب بل التلقي والاستمداد منها (1) .فمن تلقى من السنة فهو من أهلها وإن أخطأ، ومن تلقى من غيرها فقد أخطأ وإن وافقها في النتيجة.
والأشاعرة -كما سترى- تلقوا واستمدوا من غير السنة ولم يوافقوها في النتائج، فكيف يكونون من أهلها!!
وإذا كانت كتب الأشاعرة تتبرأ من"الحشوية والمجسمة والنابتة والمشبهة"وغير ذلك مما يلقبون به أهل السنة والجماعة، فكيف يكونون وهم سواء!!
حكم الأشاعرة عند أتباع الأئمة الأربعة:
وسنأتي بحكمهم عند أئمة المذاهب الأربعة من الفقهاء فما بالك بأئمة الجرح والتعديل من أصحاب الحديث:
[1] عند المالكية:
روى حافظ المغرب وعلمها الفذ ابن عبد البر بسنده عن فقيه المالكية بالمشرق ابن خويز منداد: أنه قال في كتاب الشهادات شرحًا لقول مالك لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء، وقال:
(1) انظر شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة، اللالكائي، تحقيق الأخ أحمد بن سعد بن حمدان (1/ 157، 165) .
"أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريًا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدًا، ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب منها" (1) .
وروى ابن عبد البر نفسه في"الانتقاء"عن الأئمة الثلاثة"مالك وأبي حنيفة والشافعي نهيهم عن الكلام وزجر أصحابه وتبديعهم وتعزيرهم."
ومثله ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية، فماذا يكون الأشاعرة إن لم يكونوا أصحاب كلام؟!
[2] عند الشافعية:
قال الإمام أبو العباس بن سريج الملقب بالشافعي الثاني، وقد كان معاصرًا للأشعري:"لا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية والملحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة، بل نقبلها بلا تأويل ونؤمن بها بلا تمثيل".
(1) جامع بيان العلم وفضله (2/ 117) تحقيق عثمان محمد عثمان وهو في (2/ 96) من الطبعة المنيرية.
قال الإمام أبو الحسن الكرجي من علماء القرن الخامس من الشافعية ما نصه:"لم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري ويتبرءون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت من عدة من المشايخ والأئمة"وضرب مثالًا بشيخ الشافعية في عصره الإمام أبي حامد الإسفرائيني الملقب"الشافعي الثالث"قائلًا:"ومعلوم شدة الشيخ على أصحاب الكلام حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلقه عنه أبو بكر الزاذقاني وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه اللمع"
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)