الربا يشمل: ربا الفضل وربا النسيئة، ربا النسيئة: هو التأخير، وهو القرض بفائدة، وقد ذكرنا أن تحريمه معلوم بالضرورة.
وأما ربا الفضل فهو: بيع الذهب بالذهب مع عدم التساوي، والفضة بالفضة مع عدم التساوي، وكذلك أصناف الطعوم: الملح بالملح، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، فهذه الأصناف الأربعة يقاس عليها عند بعضهم كل ما كان مثلها من الطعام الذي يكال.
والعلة في الطعام: الطعم، وبالنسبة للذهب والفضة فالعلة النقدية، فهذا ربا الفضل، فإذا تعامل بها مقايضة بمعنى ذهب بذهب فلابد أن يكون مثلًا بمثل ويدًا بيد، ولا يجوز التفاضل فيه، وهذا كما تعود الناس عليه اليوم: من بيع الذهب القديم بالذهب الجديد مع التفاضل إما بالوزن نفسه، أو التفاضل في إعطاء مال إلى أحد الطرفين، فيكون البيع ذهبًا ومالًا بذهب متفاضلًا مع عدم تساوي الذهب بالذهب في الوزن، وكذا الفضة بالفضة، وهذا نوع من الربا منتشر.
ويدخل في الربا التعامل بالتقسيط في الذهب والفضة بمعنى أن يشتري ذهبًا بالتقسيط، وكذلك التعامل في العملة بالتقسيط، فإن ذلك كله من ربا الفضل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) ، فجعل اختلاف الأصناف مبيحًا للتفاضل كذهب بفضة، فيجوز فيه اختلاف الوزن، ولكن لابد أن يكون يدًا بيد؛ لأنه قال: (فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) .
فإذا اتفق الجنس والعلة وجب أن يتفق الوزن بالنسبة للذهب والفضة، وبالنسبة للنقود الحالية يجوز التفاضل بشرط أن يكون الجنس واحدًا والعلة واحدة، والعلة هي: النقدية التي في الذهب والفضة، والطعم في الأربعة الآخرين، وإذا اتفق الجنس واتفقت العلة فلابد أن يكون مثلًا بمثل ويدًا بيد، ولا يصح أن يأخذ شخص خمسة عشر جنيهًا مجتمعة بتسعة عشر جنيه مفكوكة، أو واحدًا وعشرين جنيه فكة بعشرين جنيه مجمدة، أو يأخذ مائة وخمسة جنيهًا مفكوكة بمائة مجتمعة، فمثل هذا نوع من الربا، وكما ذكرنا يجوز إذا كانت العلة واحدة والجنس مختلف كذهب بفضة، وذهب بنقود، ونقود بنقود مختلفة العملة كالدولارات والريالات، ولابد أن يكون يدًا بيد، ولابد أن يسلم ويستلم في نفس اللحظة، ولا يجوز أن يؤجل ولا يومًا واحدًا أو ساعة واحدة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) .
وكذلك بالنسبة للأرز بالقمح أو الأرز بالتمر شرطها أن تكون متقابضة في نفس المجلس.
فهذا فيما يتعلق بربا الفضل، ومعلوم كيف صار الحال بانتشار الربا انتشارًا فظيعًا في هذا الزمان.
ومن الربا: الحيل التي تستعمل من بيع السلع بسعرين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) .
ولا نعني بذلك المنع من البيع بالتقسيط مع الزيادة، فهذا أمر لا أعلم خلافًا في جوازه بين السلف، وإنما الذي يمنع منه أن يبيع بيعتين في بيعة واحدة ويجعل الأمر معلقًا في البيعة الواحدة، يعرض لها سعرين ولا يحدد أحدهما، فيقول له: نقدًا بعشرة، ونسيئة بالتقسيط باثني عشر، وإذا كان على ثلاث سنين فستة عشر مثلًا، ثم يقول له: إذا جئتك بالمال بعد يوم فسآخذها بعشرة، وإذا تأخرت فهي باثني عشر، وإذا زاد التأخير فهي بستة عشر، فهذا هو الربا المقصود في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) .
ومع انتشار البيع بالتقسيط فقد دخلت هذه المسألة إلى الناس، وأصبح كثير من الناس يعقد على شيء، ثم بعد ذلك يحوله إلى شيء آخر، ويجعل هذا المال مديونًا به إن كان هو عشرة مثلًا يجعله اثني عشر بالتقسيط؛ فصار يبيع عشرة باثني عشر؛ لأن البيع تم أولًا، والسلعة استلمت، وتمت البيعة الأولى، فلا يجوز أن يغيرها، ولا أن يجعل عليه غرامة تأخير، وكثير من الجهات تجعل غرامة تأخير على التعاملات إذا تأخر في السداد، وكل هذا من الربا المحرم الداخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) .