فهرس الكتاب

الصفحة 750 من 991

الحمد الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد: فإن الله عز جل أغنى الأغنياء عن الشرك، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) ، ولذا كان العمل الذي فيه نية إرادة الناس مع إرادة وجه الله عز وجل غير مقبول عند الله تعالى، فقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام: (أرأيت الرجل يقاتل يلتمس الأجر والذكر؟ قال: لا شيء له) ، فهذا الرجل قاتل من أجل شيئين: الأجر من الله، والذكر من الناس، بأن يذكره الناس ويعرفوا مكانه، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا شيء له) فالله عز وجل هو الغني الكريم، وهو الغني الحميد، ومن غناه سبحانه وتعالى أنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجه، ولذا كان على الإنسان أن يراقب نيته، وأن يكون مع الله سبحانه وتعالى دون نظر إلى الناس، وعندما ينظر الإنسان إلى نفسه بعين التقصير والنقص فإنه سوف يكون في معاملته مع الناس كذلك؛ لا يرى حقًا لنفسه، ولا شك أن هذا من علامات كمال النفس وأنها استغنت بالله عز وجل، فينبغي أن يكون الإنسان في معاملته للناس ألا يرى نفسه صاحب حق، ولا صاحب منزلة، ولا يرى نفسه أكمل منهم وأنهم لا بد أن يعطوه حقه، فإن هذا فضل الله سبحانه وتعالى عليه، فليس له من الخير نصيب وإنما هو سبحانه وتعالى الذي يجري على ألسنتهم أو أيديهم ما يكون فيه مصلحته، فكيف يطلبه منهم؟! ولذلك يكون عنده من الجود والكرم والسماحة ما يستغني به عن الانتقام لنفسه، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله فينتقم لله عز وجل) فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في معاملته مع الناس لا يراعي حق نفسه، والله عز وجل لم يضيعه أبدًا، ولم يجعل أحدًا من الناس يناله بالسوء والأذى، قال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67] بل جعل أصحابه يتسابقون إلى معرفة قدره وإلى تعظيم حقه، وإلى مراعاة منزلته عليه الصلاة والسلام.

إذًا: لم يكن عليه الصلاة والسلام ينتقم لنفسه قط، وما طلب لنفسه حقًا، وإنما جعل الله قلوب الناس هي التي تفيء إليه بالحق، وهي التي تعطيه هذا الحق امتثالًا لأمر الله من غير طلب منه، وهذا هو الجود والكرم، فالإنسان الذي قد جاد بحقه، ولا يرى لنفسه حقًا، ولا يرى أنه قد قُصِّر في حقه؛ هذا هو الذي قد استغنى بالله عز وجل، فكان مع الخلق بلا نفس يراعي حظها، ويراعي نصيبها، فهو لم يطالبهم بما له عندهم، ولذلك كان هذا من المرحومين، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى، وكان فيمن كان قبلكم رجل كان من خلقه الجواز، كان يعامل الناس وكان يداينهم فكان يقول لغلمانه: يسروا على الموسر، وأنظروا المعسر أو ضعوا عن المعسر، فقال الله عز وجل: نحن أولى بذلك منه، تجاوزوا عنه) ، لم يكن له من عمل صالح كما قال عليه الصلاة والسلام إلا أنه من خلقه التجاوز والتسامح والعفو والصفح، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذه قصة ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام وهو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الذي كان من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم وتحريضًا عليه، مع أنه كان ينبغي له أن يكون من أشد الناس حرصًا على النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه ابن عمه، فلما فتح الله على نبيه مكة وأسلم أبو سفيان بن الحارث كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه لما كان من أذاه له ومن شدته عليه، فاشتكى أبو سفيان بن الحارث إلى علي رضي الله تعالى عنه ما يجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: (ائته من قبل وجهه وقل له: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف:91] فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولًا منه، فجاءه من قبل وجهه وقال له: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف:91] فالتفت إليه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:92] ) ، فهكذا كان عليه الصلاة والسلام أحسن قولًا وردًا كما كان يوسف عليه السلام أحسن قولًا وردًا؛ لأنه استغنى بالله عز وجل، والغنى بالله سبحانه وتعالى يجعل الإنسان في غير حاجة إلى ما عند الناس، ولا إلى ما يقولون أو يفعلون معه، ولا يلتفت هل أدوا إليه حقه أم لا؟ فإنه استغنى عن ذلك بالله عز وجل، استغنى بعبوديته لله سبحانه فاضمحل ما في أيدي الناس في نظره، ولم يلتفت إليهم قط، فإن عملوا شيئًا له فهم يعاملون الله به، وإن قصروا في شيء نحوه لم يشعر بهذا التقصير، ولم يلتفت إليه، فكان هذا الأمر من أخلاق النبيين.

فكان عليه الصلاة والسلام يحسن استقباله بعد ذلك، ويرى فيه بديلًا عن حمزة رضي الله تعالى عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت